وقفة مع كورونا الفيروس المستجد


عباد الله إن مما قضى به الله تعالى وجعله سنة من سننه التي لا تتبدل ولا تتحول، الابتلاء بالمتغيرات المفاجئات، لعل الحدث أن يحدث يقظة لدى الخلق يراجعوا به أنفسهم ويتبصروا في حالهم وفي حال من حولهم، ليعالجوا الخلل الذي أخلّ بنظام الحياة.
 {وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ}
 إن جملة "إنا لله وإنا إليه راجعون" ليست مجرد دعاء واحتساب بل إنها إعلان خضوع لله واعتراف بفضله فيما أعطى وأنه إن ابتلى فإنما يبتلي لينبه وليعطي ولتنتظم الحياة أفضل، فلحكمته أخذ وابتلى وبرحمته أعطى وعوّض. فما من حدث يحدث عبثا أو يحدث لمجرد الإهلاك فقط {وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ
ومن تلك الأحداث والمتغيرات المفاجئات ما يعيشه العالم اليوم من ارتباك بسبب فيروس كورونا المستجد، فإنما حدث صيانة للحق الذي خلقت السموات والأرض لأجله. {وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ}
 إن هذه الأحداث والأوبئة مهما قيل عنها من كونها صناعة بشرية أو أنها حرب دولية أو أنها حدث له أسبابه الطبيعية فتبقى مصيبة تستوجب التعامل الصحيح معها، هذا الفيروس هو وباء كغيره من الأوبئة التي مرّت على الخليقة قد يكون أهون من بعضها وقد يكون أخطر من أخر، والمؤمن يدرك أنه إنما حدث لأجل الاعتبار به ومعالجة سببه { ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ
ولقد جعلت الشريعة الحفاظ على حياة وصحة الإنسان أحد الضروريات الأساسية وأمرت بحمايتها وتنميتها، وحذّرت من كل ما يوقع النفس في المخاطر والمهالك، وأمرت بالأخذ بكل أسباب الوقاية والعلاج، والنصوص من الكتاب والسنة في ذلك معروفة مشهورة.
 ومن أهم سبل الحماية والوقاية هو توثيق الصلة بمن بيده أمر ذلك الوباء، فمن خلقك أنت وأذن لك بالسير كما سرت، هو من أذن لهذا الوباء أن يظهر وأن ينتشر وأن يعدي وأن يفتك وهو القادر على إيقافه والقضاء عليه، فما من حدث إلا بإذنه، وإذنه لا يعني رضاه واستحسانه فإنك قد تعالج نفسك بما هو مكروه أو مؤلم ليس حبا في الألم ولا رضا به ولا تمتعا به ولكن أملا في نتائج أفضل من بعده. 
ومن توثيق الصلة بالله جلّ وعلا علمك ويقينك بأنه سبحانه يرى ويسمع يراقب ويتابع يفرح بإقبال المقبلين علّهم أن يفرحوا ويكره من أعرض لقبح صنعه، وينبّه خلقه بمتغيّر يغيّر نظامهم علّهم أن ينتبهوا لما أغضبه من قبيح فيجمّلوا حالهم بالتوبة ومفارقة الخطأ، كي يصلوا إليه وهم في أحسن حال. 
ومن هنا يمكن القول بأن كل بلاء لا يعيد الإنسان لربه فهو عقوبة مستحقة ومن استفاد من البلاء تذكيرا وعودة وأوبة فهو مؤمن مبتلى لخير أريد به، إن عاش عاش بخير وإن مات بسببه فشهادة في سبيل الله. 
ومن توثيق الصلة بالله تعالى التي تحمي حين البلاء التعرف عليه في الرخاء قبل الابتلاء فمن تقرب حبا ورجاء سيجد دوما حين البلاء وقبله وبعده ودّا وفضلا وسيجد ربا أقرب إليه من الصاحب والولد يهب ما تعجز الخليقة عن بعضه. 
ومن توثيق الصلة بالله تعلم النهج المفترض اتباعه فلكل شأن توجيه يناسبه {مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖ} فلنا في القرآن والسنة منهج نتعامل به مع كل شأن من شؤوننا ومع كل حدث ينزل بنا ، نسأل الله العافية

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فإن لنا منهجا وآدابا نتبعها في حال حدث ما نكره أو توقعنا حدوث ما نكره خصوصا مع مثل هذا الوباء الذي يفتك بسبب العدوى وبأسباب أخرى، هذا المنهج يقوم على اتباع الإرشادات التي وضعها خالق الإنسان فهو الأعرف بالأصلح له والأنسب، ألا ترى كيف يهتم الناس بدليل المستخدم لأي منتج جديد يشترونه؟ وكيف لو فسد المُنتج وطالب بحقه لعاتبته الشركة المصنّعة وغيرها ممن اشتكى لهم بأنه لم يطلع على دليل المستخدم ولم ينفذ إجراءات السلامة؟ 
هذه الابتلاءات العالمية ببعض الأوبئة وبالفقر وبالخوف وبالحروب هل دفعت الناس لمراجعة ما وجّه به الخالق جلّ وعلا من إجراءات للسلامة؟ 
من الآداب الإسلامية عامة ومع الأوبئة خاصة: 
العناية بالصحة العامة فالإسلام يؤكد على النظافة مشترطا إياها في كثير من الأعمال، ويدعو للالتزام بالنظام الغذائي السليم محذرا من كل الملوِثات والمُلوَثات، وينبه لأهمية منح الجسد حقه من الراحة الطبيعية ليتمكن من مقاومة الأعراض الضارة.
 وكذلك من الآداب والتوجيهات الحجر الصحي حيث نهى ﷺ عن دخول المبتلى بالوباء على المعافى حيث يقول: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» مسلم. ومنع من السفر للبلدان الموبوءة والانتقال منها، فعن أُسَامَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» مسلم 
وحماية للناس فالحاكم يتولى مهمة الحجر الصحي العام وإن كره البعض ذلك. 
وكذلك من الآداب الإسلامية عدم الشماتة بمن اصيب به دولا أو أفرادا، فالشماتة داء فتاك بأهله وجرم ينزله الله بصاحبه، وكذلك عدم تناقل أخبار المرض خاصة التي لم تعلن رسميا فالعالم كله يتعامل بشفافية مع هذا المرض ولا يحق لدولة ما أن تخفي إصابتها به، فنقل أخبارا غير مثبتة إنما هو مخالفة شرعية آثمة لا يقع فيها إلا أصحاب الشيطان {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً } فلا تكن من أصحاب الشيطان تنقل كل ما وصلك.
 ومن أسباب الوقاية والخلاص المداومة على الأذكار المحصّنة بأمر الله من الآن تعرفا على الله في الرخاء ومعالجة بها لمن أصيب بأي داء كي نكسب القرب والأمن والودّ وما نطمع فيه ونرجوه. 
وأنصح بكتاب حصن المسلم ففيه الزاد لمن أراد الحفظ والوقاية. 
الأوبئة عباد الله رسالة تنبيه فلننتبه ولنراجع أنفسنا ولنلزمها آداب الإسلام ولنحذر من تزكيتها بأننا خير من غيرنا فكل بني آدم خطاء والتوبة متاحة والرحمة واسعة والباب مفتوح لمن أراد الولوج، وأكثروا الدعاء بحفظ البلاد من هذا الوباء وغيره من صنوف الفساد الجالبة للبلاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل