خطبة جمعة شؤم المعصية

الحمد لله العزيز الحكيم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، هو الغفور والرحيم وعقابه العقاب الأليم، أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله نبينا وسيدنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
فاتقوا الله وراقبوه واحذروا خسران وعده وفضله بمعاصي تخالط العقل والفؤاد وتأسرهما وتحوطهما مُعلبة لهما فلا ينتبه لها ولا يتاب منها ولا يعتصم من شؤمها، 
جاء في الحديث الصحيح عنه عن الفتن التي تموج موج البحر قوله :" تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» 
فمصيبة المعصية أنها توّلد عقوبات أهمها البعد عن الله والصدّ عن طاعته وتشرّب القلوب لها حتى تكون قلوبا معلبة بالخطيئة واللذة المحرمة، 
وأسلم طريق للسلامة من الخطايا هو التقوى فيُلزم أمر الله ورسوله ويُحذر ما نهيا عنه وحذّرا منها ويُستعان بنوافل الطاعات على الابتعاد عن مواطن المعاصي. 
عباد الله إن مما نبّه الله تعالى عليه وما قضى به وجعله من سننه الكونية التي لا تتبدل ولا تتحول هو الفرق بين حال المطيع له المتّبع لشرعه وحال المخالف المتمرد فقال سبحانه 
{ أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ
ولقد وبّخ جلّ وعلا قوما أساءوا الفهم للسن الكونية فقال سبحانه ساخرا منهم محذرا لغيرهم {فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ
ونبّه جلّ وعلا المؤمنين بأن لا يتنازلوا عن قيمهم ومبادئهم مهما قست بهم الحال ومهما رأوا من حسن حال عند عدوهم فقال جلّ جلاله { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ
وقال لعباده منبها لسنته الكونية في الخليقة { أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ
كل هذا تأكيد على أن للطاعة ثمرتها وإن تأخرت وللمعصية شؤمها وإن ضحك أهلها حينها، وإن مما عرفه الناس فطرة وتناقلوه خبرا أنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة وهذه حكمة تؤيدها نصوص الشريعة من الكتاب والسنة. يقول سبحانه 
{ وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ٣٠ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ
كل مصيبة تنزل هي بسبب فعل آدمي قد يكون فعلا خاطئا وقد يكون جرما متعمدا، قد تكون النازلة ابتلاء وتذكيرا وقد تكون عقوبة وبلاء، فالمؤمن يعلم السر فيها فيرجع إلى ربه والظالم لنفسه تزداد الغشاوة في عينه فيزداد ظلما ليزداد إثما ولتشتد العقوبة وقعا، 
إن استمرار إحاطتك بما تكره بالرغم من محاولاتك لعلاجه هو دليل خلل عندك فلا تزكي نفسك تفقد حالك وارجع إلى ربك فالله هو خير حافظا وهو أرحم الرحيم، وحفظه ورحمته يخص بها أولياؤه المقربون الذين يسارعون للواجبات ويتقربون بنوافل العبادات وفي كل حين لهم مع ربهم خلوات فهنا تقوى الصلة ويأتي الحب يقول
" إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، " 
وبسبب هذا الحب يمتد الحفظ للذرية بعد الوفاة {وكان أبوهما صالحا فأراد ربك ان يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك} وكلما أحاطت بك المعصية قلّ حظك من ذلك الحب وذاك الحفظ اللهم نسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه أحمده سبحانه وأشكره واثني عليه الخير كله وأصلي واسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله 
فإن ما نلاحظه من تلك العداوات المتزايدة بين الأمم وتلك الاعتداءات المتوالية من الأعداء وذلك التفرق بين الإخوة الذين يجمعهم عرق واحد وهدف واحد، والقدس التي تُنهش وأهله منقسمون يلعن بعضهم بعضا ويلعنون إخوتهم، هذه المصائب المستمرة جراء الثورات العربية الحمقى، تلك الأوبئة التي تتفشى في الأرض وتتنقل من حيث لا يحتسب الناس، ما يأتي من أزمات اقتصادية ومكروهات في الحياة الشخصية، 
هي عقوبات إلهية يعاقب بها الظلمة علّهم أن يفهموا ويرتدعوا وعلّ المؤمنين ينتبهوا فيبادروا إلى العودة وتقوية الصلة بربهم. 
يقول الله تعالى {ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} { فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ
فخوفا على العباد كي لا يؤخذوا بالذنب دعانا جلّ جلاله ورسوله الكريم لأخذة العبرة والاتعاظ مما حلّ من عقوبات بمن سبق وبمن نعاصره مما نراه ونشاهده، 
وحذّر سبحانه وبالغ في التحذير رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام من الاقتراب من حدود الفواحش القولية والعملية وفي كل ما له صلة بالحياة الإنسانية والنصوص في ذلك مشهورة معروفة. 
تجنبوا عباد الله ما يغضب الله يجنبكم الله ما تكرهون ويحفظكم مما عاقب به غيركم. 
أرسل الله تعالى لنا آية تدعونا للحذر والخوف منه جلّ وعلا لننتبه ولنحذر علّنا أن نسلم، أرسل لنا سبحانه كسوف الشمس فمن معلن بالصلاة ومن متباهي بأخذ صور للحدث كأنه لحظة فرح ومن معرض كأن الأمر لا يعنيه ومن بعدها زلازل يمنة ويسرة ووباء لا يعرف إلا بأثره وقدس توهب للعدو وتدخلات تضرم نار الحرب ومزيد انقسام بين العرب، وقلوب تزداد بعدا وضلالا عن الهدى. 
خذ العبرة عبد الله مما تراه فانج بنفسك وبأهلك الزم كتاب ربك واعمر به قلبك وبيتك،
 اعتن بفرائض ربك وقرّب نفسك لربك بكثرة النوافل واجمع شملك واحرص على الدعاء لنفسك ولأهلك ولوطنك، 
وتجنب مواطن الفساد ولا تسمح للمعاصي بالولوج إلى قلبك 
فانتبه لهاتفك فهو اليوم بريد فساد القلوب 
واحذر كل مغتاب وانتبه لكل قرين سوء يزين لك ما تعرف حرمته أو يثني على من تعرف فساد عمله، ولنفسي قبل غيرها أقول إن رأيتِ أن ما حدث في الصين وغيرها هي عقوبات إلهية فيا نفس ماذا أحدثت تلك العقوبات في قلبكِ وهل ازددتِ بسببها قربا إلى ربك؟ قبل أن توزعي عقوبات الله اعتبري بها فالزمي الهدى وقوي الصلة بالخالق جلّ وعلا وليتغير سلوكا تعرفينه تقصيرا وخطأ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل