حول خسوف القمر وكسوف الشمس خطبة الجمعة 22 / 4 / 1441


 يقول جل في علاه { بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ } { وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ١٧ ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ }  
ويقول عليه الصلاة والسلام {كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا} رواه مسلم 
فليكن اتباع أحسن القول منهجنا وطريقتنا نعتق أنفسنا ونفوز ببشرى ربنا. 
عباد الله إن مما قضى به الله تعالى تعذيب العصاة متى ما تمردوا علّهم أن يرجعوا أو يعتبر بهم غيرهم، وكذلك مما قضى به الله تعالى على نفسه المقدسة أن لا يعذب حتى ينذر{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا
عباد الله ونتجه نحو المدينة حيث الحبيب عليه الصلاة والسلام فبعد أن أوى الناس ذلك اليوم إلى بيوتهم من شدة الحرّ للراحة والقيلولة، تنادى الناس بأن الشمس قد كسفت، 
ورسول الله حبيب الله الذي أُعطي وعدا بالأمان بعدم تعذيب أمته مادام فيهم يسمع ذلك النداء فيخرج فزعا، 
فجمع الناس وصلى بهم صلاة غريبة حافلة بالخوف والوجل مع أنه عليه الصلاة والسلام هو مصدر أمان، صلى بهم صلاة لم يشهدوا مثلها، 
في جمع من الأحاديث الصحاح جاء وصف الحال تلك: ففِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ، 
فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَخَرَجَ عليه الصلاة والسلام إِلَى الْمَسْجِدِ وَبَعَثَ مُنَادِيًا: أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَصَفَّهُمْ وَرَاءَهُ وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ وَجَهَرَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً حَتَّى إِنَّ رِجَالًا يَوْمَئِذٍ لَيُغْشَى عَلَيْهِمْ مِمَّا قَامَ بِهِمْ، حَتَّى إِنَّ سِجَالَ الْمَاءِ لَتُصَبُّ عَلَيْهِمْ 
قَالَتْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: فَقُمْتُ فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ e الْقِيَامَ جِدًّا حَتَّى رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ مِنِّي قَائِمَةً، وَإِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي هِيَ أَسْقَمُ مِنِّي قَائِمَةً، فَقُلْتُ: إِنِّي أَحَقُّ أَنْ أَصْبِرَ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ مِنْكِ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأسِي وكان عليه الصلاة والسلام يَبْكِي وَيَقُولُ:
 لَمْ تَعِدْنِي هَذَا وَأَنَا فِيهِمْ، لَمْ تَعِدْنِي هَذَا وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ. 
ثم خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
 " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَان مِنْ آيَاتِ اللهِ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا كَذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ فَادْعُوا اللهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا حَتَّى يَنْجَلِيَا ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ: أَيُّهَا النَّاسُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، أَظَلَّتْكُمْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ فقال:" مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَيَّ جَهَنَّمُ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ حَتَّى لَقَدْ جَعَلْتُ أَتَّقِيهَا مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا. فزعٌ ووجلٌ حين كسوف الشمس لعلمه بأن الكسوف رسالة تحوي تنبيها وتحذيرا، نسأل الله العون على مرضاته والوقاية عما يسبب غضبه وسخطه.
هذا الذي حدث من رسول الله e من الخوف والقلق جراء كسوف الشمس ومثله حين خسوف القمر نحن أولى أن يحدث في قلوبنا فنحن المقصرون ونحن الذين تلعب بعقولهم وأفئدتهم الفتن بينما هو عليه الصلاة والسلام المُؤمَّنٌ مصدر الأمان، 
تلك الحال منه ومن صحبه ومن مجتمعنا إلى وقت قريب، يقابله حال عجيبة اليوم حالة تنبئ بمقدار البعد والغفلة عن شرعه الله وحِكمِه وتشعر بتهوين ما عظّمه رسول الله e وعظّمته سائر الأمة في عهودها السابقة كما توحي بجهل بحقيقة رسالة الكسوف والخسوف، 
فحينما غلبت التقنية الخشية وأزاغت بإعلامها فكرا متعلقا بالله إلى تعلق ساذج بطبيعة تتحكم في نفسها كان هذا التهوين لآيات الله، 
ولا يظن ظان أن عملية التنبؤ بحدوث الكسوف أو الخسوف أمرا جديدا بل هو أمر يدركه كل من كان له صلة بعلوم الفلك قديما وحديثا حتى بدون هذه الوسائل التقنية الجديدة، 
وتجد هذا مدونا في كتب العلماء السابقين ولم يمنع علمهم المسبق بحدوث الكسوف من الفزع إلى المساجد ومراجعة النفس علها تتوب إلى بارئها من معاصي وقعت فيها. 
وها نحن تأتينا النبوءات بنزول الغيث فإذا صدقت ونزل فرحنا وأظهرنا السرور بالرغم من العلم المسبق. حدوث الخسوف آية ورسالة ربانية عظيمة لا زال المعظّمون لربهم 
يتّبعون أحسن القول فيعظّمونها مهما كان حال غيرهم تجاهها، 
ويستعينون بكل ما يتيسر لهم من تقنية وإعلام للامتثال لأمر ربهم والاقتداء بسنة نبيهم 
ويعملون على التذكير بقيمة تلك الرسالة الربانية 
ويزرعون في نفوس من تحت أيديهم تعظيمها، بها يستذكرون مراقبة ربهم لهم ويستشعرون عظيم رحمته بهم إذ أنذرهم وذكّرهم فيقبلون على ربهم يستغفرونه ويتوبون إليه يدرؤون عقوبة مستحقة يغدون ويروحون فيشترون أنفسهم ليعتقوها مما قد يعذبها، لأن بالاستغفار حماية لهم ورفعا للعقوبة عنهم واستدراجا للرحمة ناحيتهم، 
وصلاة الكسوف والخسوف هي سنة مؤكدة تشرع فقط في وقتها المحدد برؤية واضحة أو خبر ثقة، وهو من بداية الكسوف وحتى نهايته، والحكمة منها درء غضب الله وسخطه، ومن لم يتيسر له أداء الصلاة فإن الدعاء وإظهار التعظيم لهذه الرسالة أمرٌ لا يعذر بتركه أحد في وعيه وعقله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل