من الأنباء حكمة وموعظة فاتعبر

الحمد لله الولي الحميد الرحمن الرحيم واسع الفضل والعطاء الملك الغني الكريم، لا يرد مقبلا ولا يرفض تائبا ولا يحرم سائلا ويسابق برحمته عباده المؤمنين من حيث لا يحتسبوا، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وبعد 
عباد الله فاتقوا الله واعلموا أنكم مرعيون بعين الله يراكم ويعلم سركم ونجواكم يعفو عن خواطر النفس السيئة ويجزيكم على خواطركم الطيبة ويغضب إن تجرأتم على ما كره وحرّم ويفرح بعملكم الصالح حبا لكم لما أعدّه من جزاء أعظم مما تتوقعون به تقر الأعين وتبتهج الأنفس. 
عباد الله لقد وبّخ الله تعالى قوما حكّموا أهواءهم وساروا على عاداتهم وأعرضوا عما جاءهم ركونا إلى ملذاتهم وعاداتهم فقال سبحانه {وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ
جاءت الأنباء بأحوال من سبق وتأتي الأنباء بأحوال من في عصرنا أعرض من أعرض فأعرض الله عنه وتركه لنفسه فقعد مذموما مخذولا متحسرا وأقبل على الله من أقبل فعاش هانئا مسرورا من حيث لا يحتسب، تأتي الأنباء بأخبار الصحب والجيران والناس معنا فإذا هي لا تستقر على حال هذا راحل فجأة أو بعد مرض وهذا مفجوع وهذا مريض وهذا مبتلى بما أعجزه وأقعده مما يفترض بها أن تنبه وتدعو لتغيير نحو الأفضل، 
بل وتأتيك الأنباء عن نفسك بأحوالك أنت {وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ } فإذا بك لا تستقر على حال وتتفاجأ بالتغير إلى ما تكره فلم تعد تصل إلى ما كنت قادرا عليه متمكنا منه، فلا تملك سوى أمنية ليتني عملت كذا وأني لم أعمل كذا ويا ليتني قدمت ويا ليتني وليتني، تمر بك العوارض التي تكره تمرض أو تخسر كما قال جلّ وعلا { وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ
فهل أحدثت تلك الأنباء وتلك الأحداث موعظة وتنبيها؟ 
لابد من ابتلاء بما تكره ما دمت حيا ليميز الله الصادق من المرتاب ويميز مستوى الإيمان بين الناس، ولتدرك بهذا الابتلاء حقيقة ما تدعيه في قرارة نفسك من صبر وإيمان واحتساب { بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ
ومن كان بهذه الحال معرّضا لكل خطر وجازما بحلول ما يكره من عرض قد يحول بينه وبين ما كان عليه فحري به الاعتبار بهذه الأنباء التي تأتيه عمن سبقه وعمن هم حوله وفي نفسه، فإنها مواعظ من لم يعتبر بها فلن تنفعه أية موعظة، ذلك أن تلك الأنباء حكمة بالغة يفترض أن تغني عن كل موعظة وعن كل حديث وتذكرة، 
ومن أدرك واعتبر كان حقا عليه اتباع وصية الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: يعظ رجلا: " اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ " النسائي والحاكم وصححه الألباني خذ من الآن عملا صالحا يلحقك إذا عجزت يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» البخاري 
فخذ عملا صالحا وذكرا طيبا الزمه حتى تعرف به عند الملائكة التي توثق عملك فيكون سمتك في سجلك، «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَلَا يَزَالُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» 
وإذا عرفك الله بشيء يحبه فأبشر بما تحب في دنياك وأخراك. عباد الله لتكن الحكمة غايتنا ولنأخذ عبر من الأنباء التي تأتينا عمن حولنا والتي تنبأنا بأحوالنا ولنغير عادتنا التي تجلب الغفلة لنا وتنسينا الاستعداد لما هو أمامنا نسأل الله العلم النافع والعمل الصالح والثبات على الهدى 

الحمد لله الولي الحميد البر الرحيم أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله نبي الرحمة وإمام الهدى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد 
عباد الله فيقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» البخاري. 
كل مؤمن معرض للابتلاء والمؤمن يحسن الظن بربه أن أراد به خيرا وأن سيلحقه جراء ما أصابه خيرا، وإن الله تعالى ليحب من المؤمن أن يقابل إرادته به الخير من خلال الابتلاء بالحمد والصبر 
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ، فَقَالَ: انْظُرَا مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ، فَإِنْ هُوَ إِذَا جَاءُوهُ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، رَفَعَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ، فَيَقُولُ: لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ أَنْ أُبْدِلَ لَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ، وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ، وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ " مالك حسنه الألباني وصححه آخرون
وهكذا في كل ما يصيب المسلم مما يكره في نفسه أو في ولده وأهله أو صحبه، بالحمد والصبر يحل الخير وبالتذمر والتسخط يوكل لنفسه، 
فكن عارفا لربك شاكرا له فضله حامدا له ابتلاؤه صابرا على ما أصابك مجددا إيمانك بعد زوال كربتك، لعل الله أن يكتب لك ما وعد به الصابرين الشاكرين الحامدين، 
اتخذ من تلك الأحداث التي تراها من ذلك الذي توفي فجأة من ذلك الذي مرض فلم يعد قادرا على العمل من تلك الحادثة التي نجّاك الله منها وغيرها مما يمر بك أو يمر بمن حولك اتخذ عظة ودرسا فغيّر عاداتك إن كانت تباعد بينك بين ربك، 
واجعل من حياتك دراسة وعملا وتعليما وتوعية وطعاما وشرابا ونوما وتمتعا سببا يقربك إلى ربك ويجلب لك رضاه عليك، وكل ما يحتاجه ذلك نية صادقة وعدم تفويت لمصلحة من صلاة وغيرها، 
واعلم أن نبيك الحبيب عليه الصلاة والسلام يبشرك بقوله : " «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ كُلَّ مَا أَصَابَ الْمُسْلِمَ كَفَّارَةٌ لَهُ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا وَالنَّكْبَةَ يُنْكَبُهَا» وبقوله عليه الصلاة والسلام : " «مَا أَصَابَ الْمُسْلِمَ مِنْ مَرَضٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمَّ يُهِمُّهُ إِلَّا يُكَفِّرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ مِنْ خَطَايَاهُ» رزقنا الله إيمانا وثباتا ولسانا ذاكرا وعملا صالحا وقرة عين بالقرب منه سبحانه وبأسباب رضاه وفضله

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل