خطبة عيد الأضحى المبارك 1440
الهداية ليوم النحر
وصايا نبوية لحفظ كيان الأمة والأسرة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
رعاية الأضحية وتعظيمها
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، الحمد لله حتى يرضى والحمد لله بعد الرضى، حمداً يبلغ بنا الرضى وغاية المنى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبدالله عبد الله ورسوله أكرم الخلق وأزكاهم وأعلمهم بمولاه وأتقاهم، وأبلغهم بالمؤمنين رأفة ورحمة وتلطفا ورفقا فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وسائر أتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. وبعد عباد الله فها قد لبى المسلمون نداء ربهم متهاتفين إلى ما يحب من قول وعمل، ممن حج أو بقي في مقر إقامته، تطلعوا لآثار نبيهم فتتبعوها محسنين الظن بربهم، وربهم عند ظنهم لا يخيّب ساع ولا مؤمل خير فاستبشروا عباد الله بما أمّلتم وبثمرة ما قدمتم فربكم ربٌ كريم يداه سحاء بالخير كل حين.
عباد الله وها نحن بفضل الله في أفضل يوم، يومٌ اختاره الله وفضّله على سائر أيام السنة، يومٌ دلّ سبحانه عباده إليه وهداهم للعمل فيه، وصرف سبحانه عنه من لا يستحقه ممن اتبع هواه أو اتخذ الأحبار والرهبان أربابا يشرّعون لهم خلاف شرع الله ورسوله { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ } { وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ}
فكثير ممن صد عن السبيل وعن الفرص المتاحة إنما كره الله انبعاثهم ولم يجتبهم لسوء مقاصدهم وأعمالهم ولم يكونوا جهالا بالحق بل كانوا بصيرين به مدركين له لكن عزة بالإثم وحبا في الضلالة فاستحقوا الصرف والإبعاد، ولئن يهديك الله جلّ في علاه لما أحب وارتضى فحقٌ عليك الحمد والشكر له سبحانه وذلك بتقواه وبمراقبة أمره ونهيه وباتباع سنة نبيه وأعظم التقوى تعظيم الشعائر (ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوب) واليوم هو وأعماله أعظم الشعائر.
عباد الله جاء نصر الله ودانت جزيرة العرب بكاملها لرسول الله ودخل الإسلام كل بيت من بيوتها، ففرح رسول الله وفرح صحابته بظهور الدين وبالظهور على العدو، ولأنه عليه الصلاة والسلام يدرك أن من سنن الله أن الحفاظ على الكيان متكاملا قويا مزدهرا لا يكون إلا بأيدي أهله المتنعمين به الفخورين به، كانت وصاياه مودعا أمته في مثل هذا اليوم العظيم للحفاظ على ذلك الكيان، وهي وصايا للحفاظ على كل كيان قائم يحبه أهله ويفخرون به ويتنعمون في ظله.
قال صلى الله عليه وسلم: "اعْلَمُوا أَنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا"..
ذلك أن الناس متى ما تطاولوا على دماء أو أموال أو أعراض بعضهم فإنما يفسدون نعمة الله عليهم ويدمرون كمالا منّ الله به عليهم. وصيانة لهذا الكمال حُرّمت الأسباب والطرق الموصلة لذلك الدمار وأهمها الغيبة والنميمة ولم يُقبل فيهما أي عذرٍ حتى ولو كانت التهمة صحيحة فضلا عن تهم بُنيت على مقولات واتهامات من قبل كارهين للمستمع المتابع لهم. وما تُعُرِض بسوء لدم أو لمال أو لعرض إلا بعد غيبة ونميمة، وما من مصدر للنمائم كالإشاعات والأخبار الكاذبة التي يزورها مُصدِرُها بما يناسب مخيلة المتلقي حتى تغدو في عينيه حقيقة لا تقبل جدالا بينما هي الفرية الحقة، ونقل الخبر بأي حجة ما لم يكن لمصلحة متيقنة بيّنة ثمرتها فهو من باب النمائم وهو بئس المطية كما قال صلى الله عليه وسلم: بئس مطية الرجل زعموا. فحفاظا على هذا الكيان المملكة العربية السعودية تجنب الإشاعات والأخبار التي تُضخّم العدو وتُجرّم وتُشيطن المسئولين موحية بأنهم يريدون بالبلد كيدا ومكرا. وحفاظا على كيان أسرتك تجنب الانصياع للرسائل التي تبني في داخلك توترا وقلقا وموقفا سلبيا ضد شريك حياتك الزوج أو الولد أيا كان مرسلها.
وكان من وصاياه صلى الله عليه وسلم للحفاظ على كيان أمته قوله: "إِن اِبلِيسَ قَدْ يَئِسَ أنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ، وَلكِنَّهُ فِي الَتحْرِيشِ بَيْنَهُمْ".
وكم تجد اليوم من وسيلة إعلامية لبست لباس إبليس في التحريش بين الشعوب وقيادتها وكم من حسودٍ لبس لباس إبليس فأفسد على الطيبين المتآلفين طيبتهم وحياتهم موغراً صدورهم على بعضهم، فكن على حذر من كل من يلبس لباس المحب المشفق وأنت تجد منه صنعا للكراهية في نفسك تجاه وطنك أو تجاه أسرتك أو أصدقائك وزملائك.
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا ولا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين وبعد عباد الله
وأيضا قال صلى الله عليه وسلم : (أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا, وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ) فإياك ومحقرات الذنوب لا تستهن بالصغائر فإنما يجرك بها للكبائر، فانتبه والزم محاسبة النفس والتوبة والاستغفار.
وفي هذا السياق ولأمل الحفاظ على الكيان الكبير كانت الوصية النبوية برعاية النساء بمنحهن حقوقهن وإكرامهن وتكريمهن ومشاركتهن العمل والهمّ والأمل، وبحجزهن عن أهل الغواية والفساد حتى لا تتسلل أفكارهم المنحرفة لأفئدتهن الطاهرة فيُغوى البيت ويتحطم، وبحجزهن عن كل مظهر يشين المرأة المسلمة ويشبهها بالكافرة المنحرفة فللقوامة حقوقها وضريبتها، واليوم الوصية متأكدة لكلا الطرفين فعلى الأم كما على الأب رعاية أسرتها بما يحقق لها التآلف وتحقق الذات لأفرادها من غير انسياق لموضات اللباس والطعام التي تغير القيم والآداب وترهق ميزانية الأسرة وكاهل ربها.
وأوصى عليه الصلاة والسلام بالتمسك بالكتاب والسنة فلن تضل الأمة ما دامت حاكمة بهما ولن يضل فردٌ كانا هما مصدر عبادته وتعامله، مؤكداً صلى الله عليه وسلم بأن المسلم سيرى اختلافاً كثيراً وسيشهدُ تغيراً في الأفكار والتوجيهات تتناقض فيما بينها بل يتناقض صاحبها القائل لها تبعا لظروفه وأفكاره وهواه، فلا يكن ذلك التغير سببا لتشكيك في شرع الله ولا مبررا للبعد عن كتاب الله ولا عن سنة نبيه، واعلم أن أبطل وأضعف حديث روّج على الناس هو قولهم من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ينسبونه زورا وكذبا لرسول الله ليحملوا الناس على أهوائهم السياسية والمادية.
حافظوا على الوطن باتباع وصايا النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الوطن هو وطن الإسلام الحنيف وأما غيره ففيه حنفاء ولكن للشرك فيه نصيب كبير والله لا يحب المشركين ولا أرض يعمرها الشرك.
ولأن الأعداء يوّجهون حملاتهم تشكيكاً وتنفيراً لأفراد المجتمع فعلى كل فرد أن يكون حامي حمى وطنه في أسرته وفي مجتمعه ادرءوا الفتن عن أنفسكم وعن أسركم وعن أحبابكم باتباع نبيكم وبرد النمائم والشائعات التي أفسدت الحياة.
مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فهذا عقيدة وشعار وطني وكما تحوّلت معاقبة المخالفين لأنظمة المرور لإجراءات تقنية بدون ملاحقة ولا قبض فكذلك هنا، الشعيرة باقية والأجهزة العاملة كما هي والقيم راسخة ولكنها مهددة والإثم متحقق على كل من ترك الشعيرة وإن عذر احد لعدم مسئوليته ففي بيته ومع أسرته لا عذر له.
عباد الله بعد قليل نتوجه لنحر أضاحينا تقبلها الله ولأنها عبادة والله قد عظّمها فواجب تعظيم الأضحية وأن لا تعامل كبهيمة يراد ذبحها بل كقربة يراد رضا الله بها فأكرمها غذاء وشرابا وسوقا نحو المذبح حتى ولو نفرت وآذت فإنها قربة لا تُشتم ولا تُلعن ولا تُعنّف واعتن بالذكر والتسمية حين النحر، بها نتذكر كيف فدا الله إسماعيل بذبح من الجنة فنسأله أن يفتدينا من عذابه برحمته وفضله، ونُحسن توزيعها صدقة وإهداء وادخارا علّ الله أن يحسن لنا المثوبة والأجر.
عباد الله تأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولتكن الصلاة هي وصيتكم لأحبابكم التي لا تنقطع ولا يفتر عنها، وليكن بر الوالدين شعاراً تعرفون به عند صغاركم قبل الكبار، وليكن الطموح بحال أفضل دافعا للسعي الأجود مبعداً للتمني وإلقاء الحِمل على الآخرين.
عباد الله في مثل هذا اليوم العظيم يكن علينا لجنودنا المرابطين على حدودنا حق أن لا ننساهم اللهم فانصرهم وثبتهم وقهم بغي وعدوان أعدائهم وادحر عدوك وعدوهم اللهم احفظ وأعن كل معتن بأمننا وقيمنا وتعليمنا واقتصادنا وزدنا من فضلك إيماننا وأمنا ورغدا ورخاء وحشمة وأدبا
وفق اللهم إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين وولي عهده خذ بهما للحق والهدى واجعلهما واعوانهما سببا لعز الإسلام والمسلمين وسببا للهدى والتقى والسعادة لنا أجمعين
أعز اللهم الإسلام والمسلمين والطف بعبادك في كل مكان. ربنا تقبلنا وتقبل منا واغفر لنا وارحمنا اغفر اللهم لوالدينا ووالديهم ووالدي والديهم وذرياتهم وأزواجنا ومن أحبنا فيك ومن أحببناه فيك هبهم السرور والحبور وأسعدهم بفضلك ورحمتك يا ارحم الراحمين واغفر اللهم للمسلمين والمسلمات، ربنا اجعلنا مبشرين برحماتك وفضائلك واجعلنا ممن تقول لهم الآن قوموا مغفورا لكم مشكورا سعيكم وصل اللهم وسلم على سيدنا عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
تعليقات
إرسال تعليق