الأسرة والحاجة للاحتواء بالحب والرحمة


الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين وسيد الأولين والآخرين نبي الرحمة وإمام الهدى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه مهتديا بهديه مستنا بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. 
وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه واعتنوا بما أحب منكم يحبكم ويقربكم ويحفظكم ويدافع عنكم ويغفر لكم يقول جل في علاه واعدا عباده {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } 
عباد الله إن مما تفضل الله به على خلقه نعمة الأسرة وما وهبه لها من حب وود وتآلف وتراحم، هبة تجعل الأسرة مترابطة لا ينفك آخرها عن أولها، ترابطا يبقى الصلة قوية حتى ولو رحل بعض أفرادها، ولعظيم هذه النعمة فالملائكة الكرام حبا منهم للمؤمنين وبتسخير الله لهم يدعون ربهم بأن يحفظ للمؤمنين صلاتهم الأسرية حتى بعد دخولهم الجنة 
{ ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ
هذه الصلة الأسرية لا تثبت لأحد إلا لذلك الذي اعتنى بما يؤتيه الله للأسرة من نعمة { وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ  
الود والتراحم حبل متين يحيط الوالد أسرته به فلا تنفك عنه ولا تتأذى منه ولا ترغب عنه إلى غيره تتمسك به حبا وثقة وعزة وفخرا، 
حبل يجمع بحب ويحمل على تحمل الأخطاء والعثرات وهذا لا يتأتى بمجرد التمني ولا بأنانية الاختيار بل لابد من تنازلات من جميع الأطراف، 
فهذا يسهر مجاراة للساهرين وهذا يقدّر حاجة الآخر لعدم مواصلة السهر فيهيئ للآخر أسباب النوم في وقته، 
وهذا يدفع من ماله والآخر يقدّر ظروف الآخر وكراهيته للدفع، 
فلا هذا يستكثر الحاجة للرفاهية والمتعة ولا هذا يلح في طلب الرفاهية ولا يُكثر منها، 
فلكي تستقيم الحياة لابد لكل من الوالدين ومن الأولاد النظر بتوازن بين رغبات بعضهم وحاجاتهم، ولا أتحدث عن الصغار الذين لا يفهمون إلا ما يهوون وإنما أتحدث عن عقلاء بلغوا سن التمييز وأحبوا التمتع مع والديهم في جو أسري داخل المنزل وخارجه إذ هي مسئولية مشتركة بين سائر أفراد الأسرة. لقد جعل الله تعالى لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لمن أراد ان يحقق بيتا سعيدا مهما كانت الظروف الاقتصادية والحالة المعيشية متدنية، ومهما كانت المهام الوظيفية بالغة الأهمية ومستغرقة الوقت بأكمله ومهما كانت المكانة الاجتماعية عالية تتطلب فتح القلب والباب لكل زائر وسائل وشاكي، مهما كانت الشواغل فللبيت حقه وحظه وحبه. 
كان عليه الصلاة والسلام محبا للأطفال يحتضنهم ويحملهم ويلاطفهم، يدللهم أحيانا بتصغير أسمائهم وأحيانا يعطيهم اعتبارا فيكنيهم ويلقبهم بما يفخرون به، وكان الصحابة يقدّمون له الأطفال في الاستقبال حين قدومه عليه الصلاة والسلام من سفر أو قدومه لزيارة خاصة يتباركون بدعائه ويدخلون البهجة عليه بلطف وبراءة الصغار، وفي قصة قدوم المهاجرين إلى الحبشة للمدينة: وكان لخالد بن سعيد ابنة صغيرة عليها قميص أصفر فقال لها اذهبي فسلمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكبت عليه ثم جعلت تريه قميصها فلاعباها ودعا لها، وعن أسامة بن زيد قال إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأخذني ويقعدني على فخذه ويقعد الحسن على الأخرى ثم يضمنا ويقول اللهم أحبهما فإني أحبهما، وكان يمازح الصغار وربما بخ الماء بفمه في وجه بعضهم ويلاعبهم فيركبهم على ظهره الشريف ولربما ركب أحدهم على ظهره وهو ساجد فأطال السجود لأجله وأخباره عليه الصلاة والسلام ومداعبة وملاعبة الصغار لا يمكن حصرها في مثل هذا المقام.

الحمد لله الولي الحميد واسع الفضل والعطاء الملك الغني الكريم أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله فاتقوا الله وسلوه من فضله وتبينوا سنة نبيه، 
ومما زرع به عليه الصلاة والسلام الألفة في بيته منح الزوجة حقها الاعتباري في البيت، فالبيت باسمه ولكنه ينظر له كبيت زوجته كما قال تعالى عن المطلقات ( ولا تخرجوهن من بيوتهن ) فجعل البيت بيتها بصفة اعتبارية فهي ربته ومدبرة شؤونه فلها مكانة اعتبارية يراعيها في كل ما يتعلق بحياتهما داخل البيت وخارجه، وكان يكون في مهنة أهله بمعنى يشاركهم العمل المنزلي 
فإذا دخل البيت وهي تعمل عملا ما شاركها ولو بشيء بسيط فإن كانت تعد الطعام قرّب إليها بعض الحاجات والأدوات وشارك تقطيع ما يُقطّع وحلب الشاة إن تيسر حليبها، وحين إعداد سفرة يشارك في ذلك أو يتولاه كما يتولى تنظيف المكان إذا لم يسعفها الوقت لتنظيفه، فالمراد أنه كان يشعرها باهتمامه بها من خلال عدم إلقاء التبعات المنزلية بكاملها عليها بالرغم من أنها ربة بيت وهو سيد القوم. وكما كان يعتني بالحاجات الجسدية من طعام وشراب وغرائز فهو يعتني بالروح واحتياجها حملا على العبادة وحثا على النوافل وعونا على قيام الليل بلطف وبغير عتاب على المقصر فيه، وبدعم وتهيئة لأسباب الفرح والمرح.
وفي زمن كزماننا تفجرت فيه وسائل التواصل بالغث والغثيث من المعلومات المغلوطة والمزيفة تتأكد حاجتنا لرعاية أسرنا وإحاطتها بذلك الحبل المتين والود والتراحم،
فاللهو مع الأطفال حين يحاط بالحب والحنان هو أمتع اللحظات عندهم وأكثر ما يدفعهم للاقتداء بأبيهم والتخلق بأخلاقه، 
واحتواء الأسرة من خلال القرب منهم ومعايشة حالهم وظروفهم يقطع الطريق على كل مغرض متربص بهم، ولنا في المُشاهد من أحوال بعض بني جلدتنا عبرة فهذا يهرب ابنه مع جماعات الغلو والتطرف ليهلك نفسه ويتحمل ورز دماء بريئة توبق دينه ودنياه وآخرته، 
وهذا وتلك يهربان لجماعات ودول الكفر والإباحية مرتدين عن دينهم ومحاربين لقيمهم ولوطنهم ولمجتمعهم.
 لن تفرض سيطرتك عليهم ولكن ستفرض حبك ووجودك في قلوبهم مما يجعلهم يحسبون حسابا بالغا لمشاعرك تجاه تصرفاتهم والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين يستجيب دعاءك لك ولهم ولغيرهم فادعوا لهم واقتربوا منهم ووثقوا أسركم بالحبل المتين الود والتراحم. 
يقول صلى الله عليه وسلم: " أَكْمَلُ النَّاسِ إِيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَألَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَألَفُ وَلَا يُؤْلَفُ " ثم اعلموا عباد الله أن الله ورسوله يحبان منكم الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله وبالأخص يوم الجمعة فأكثروا مما يحبه الله يحببكم الله. وأكثروا من الصلاة على رسول الله تكونوا من إخوانه تحظوا برؤيته وبدخول الجنة بصحبته وتسكنوا الفردوس بقربه

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل