تعبد لك ربك بدخولك جنة الدنيا ونعيمها مع ليلة النصف من شعبان

الحمد لله الملك العزيز الحكيم وسع كل شيء علما وعدلا وفضلا أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خير الخلق أجمعين وإمام الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
فإن تقلب الأحوال وتغير الأفكار والمفاهيم وتبدل العلاقات ليوحي للمتأمل بأن الدنيا ليست بدار بقاء ولا ثبات ولا استقرار، فالناس تتقلب أحوالهم تنوعا وتباينا بين يوم وآخر نعايشه ونعيشه، لتكون هذه رسالة لنا أن التنعم بهذه الدنيا على تقلبها وتحولها يحتاج مددا خارجيا أقوى من أحداثها، وربنا الرحمن وهو الخالق العليم والمدبر الحكيم رحمة بنا وكراهية للضر بنا علّمنا كيف نستدرج المدد المناسب للتعامل مع تلك الأحداث، المدد الذي يجعلنا نكسب مغانم جديدة من وراء كل حدث مكروه، وأعظم المدد هو تقوى الله في السر والعلن، تقواه سبحانه يعني لزوم أمره والحذر من مقاربة نهيه، تقواه سبحانه يعني الاستجابة لأمره عند كل تغيّر في القلب فرحا أو كدرا، 
يقول جلّ وعلا { مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَ‍َٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ
لابد من حدث يبين حقيقة الإيمان، حدث يفصل بين الخبيث والطيّب من الأقوال والأعمال والأشخاص، حدث يبين ما حقيقة حِمل القلب من دعاوى أو حقائق، تقوى الله سبب للأجر العظيم، وأجر بمعنى ثوابا وعطاء، وعظيم توحي بأن الموعود به فوق الوصف لا يحد ولا يحسب، وتقوى الله عند شهوات النفس وعند معاملة الآخرين وتقواه عند مواجهة الحاقدين سبب للأجر والفضل العظيمين 
{ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّ‍َٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ
تقوى الله سبب للفرقان الذي يفصل بين الصادق والكاذب والذي يرفع صاحبه حتى يكون علما يشهد له مجتمعه بالخير، والناس شهداء الله في أرضه، 
وتقوى الله سبب لتكفير الخطايا ومغفرة الذنوب والفضل العظيم الذي لا يحد عددا ولا قدرا، ولا يُعرف كيف ومن أين أتى. 
ولقد يسر الله لعباده المؤمنين أمر دينهم وخفف عنهم كل ما قد يعيقهم وسخر لهم كل ما يعينهم حبا منه سبحانه في طهرهم وفي اطمئنانهم وفي رفعة منازلهم يقول ربنا جل وعلا {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } 
فمن أراد الأمن والأمان والسرور وتحقق الآمال فعليه بالتقوى وصالح الأعمال يصلح بهما نفسه وحاله ومن يخالطه فيما بقي له من مهلة في هذه الدنيا. 
عباد الله عن أُسَامَةَ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ}النسائي وأحمد. فشهر شعبان شهر له خصوصيته وله مكانته، والناس فيه تستعد لرمضان ولكنها تغفل عنه مع فضله وأهميته، وكل زمن يغفل الناس فيه عن العبادة تعظم العبادة فيه ويعظم أجرها ويكون لها ثقلها في الموازين عند الله، بل يكون لها حب من الله بقدر لا يعلمه إلا الله، ومن تلك العبادات ما أخبر بهالنبي عليه الصلاة والسلام بقوله: فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ يَغْفِرُ الله لأَهْلِ الأَرْضِ إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ.} أحمد وابن ماجة وابن حبان وصححه الألباني وغيره وفي رواية أنه قال: إِذا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبانَ اطَّلَعَ الله إِلَى خَلْقِهِ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤمِنِينَ ويُمْلِي لِلْكافِرِينَ ويَدَعُ أهْلَ الحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ. 
أي يدعوا الحقد وأسبابه وأهم أسبابه التطلع لما في أيدي الناس وما منّ الله عليهم به. فتعبد لربك بطهارة قلبك وقطع الخلافات بينك بن ذوي رحمك وجيرانك، 
احذر ان يعرض الله عنك ويذرك بحقدك تزداد بعدا بسبب لو سمعته عن آخرين لاستخفيت به، وما من غفلة أشد من الغفلة عن الفرص السانحة، 
بادر فادخل جنة الدنيا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن في الدنيا لجنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وجنة الدنيا هي سلامة الصدر وطهارة القلب وشكر الله على نعمه والتمتع بها، فكم من محروم من نعمة ربه التي بين يديه بسبب احتقاره له وكتمه إياها فهذا كفرها عياذا بالله تعالى، احذر أن تزدري نعمة الله عليك واحذر أن تزدري الآخرين ممن قل حظه من نعيم الدنيا فالازدراء سبب للبلاء .

الحمد لله حمد الشاكرين الذاكرين، والشكر له سبحانه شكر المعترفين له بالفضل، المقرين بالتقصير المستغفرين من كل ذنب، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وقدوة للمؤمنين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد عباد الله 
فمما لا يجهله أحد هو تقلب الأحوال في هذه الدنيا ومن ذلك التقلب تقلب المواقف وتبدل المشاعر وتغير الأمزجة والأفكار وتحوّل المبادئ، كلٌ ذي نعمة، ولكل ذي نعمة حسود، وكل حسود حقود يصعب تقبله ويصعب السكوت عنه ويصعب معايشته إلا على المتقين فليس الأمر بعسير عليهم، 
فهم يتقون شر ذلك الحسود، 
ويتقون الله فيه فلا يقابلون السيئة بالسيئة بل بالإعراض وبالحسنة إن تيسرت، 
يعرفون نعمة عليهم فيشكرونها ويتمتعون بها، ويعرضون بقلوبهم عما في أيدي الناس لعلمهم أن الرازق هو الله، ينظرون لفضل الله ويتعايشون مع غيرهم وفق ما شرع الله، ولقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لمن هذه صفاته بالجنة ثلاث مرات حتى ظن الصحابة أنه ممن لا يفتر عن القيام والصيام ولما تبين الأمر وجدوه خلاف ذلك، حيث قال عن نفسه: غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. 
لما دخل بإرادته جنة الدنيا أدخله الله بفضله جنة الآخرة. 
جنة الآخرة التي أول وأهم نعيمها طهارة وصفاء القلب جلّ وعلا بقوله { إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ ۞نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ } وبقوله تعالى {  وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ } اللهم اهد قلوبنا وأنر بصائرنا وطهّر صدورنا من كل ما يبعدنا عنك يا ولي يا حميد.
ثم صلوا وسلموا على من امركم الله بالصلاة عليه محمد بن عبد الله نبي الله روسوله وخليله فتلك وصية والله وامره ولشرفها صلى سبحانه بنفسه على نبيه حيق يقول جلّ جلاله { إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا  }

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل