الرحمة الصفة الإلهية الأعظم والخلق البشري الأجمل
الحمد لله الرحمن الرحيم رحمته سبقت غضبه ووسعت كل شيء من خلقه هو رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له وهو الولي الحميد وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله بعثه رحمة للعالمين وسراجا منيرا وهاديا بشيرا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه واعلموا أنه سبحانه قريب ممن تقرب إليه يحيط برحمته كل من أوى إليه ويسبغ فضله على من اتقاه وتوقى ما نهى عنه رجاء رحمته يقول الله تعالى { وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بَِٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ }
فمن اتقى وأصلح العمل استحق الرحمة واستحق الفوز بالمؤمل يقول جلّ في علاه { أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ٦٣ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ }
عباد الله الرحمة صفة عظيمة من صفات الله جلّ في علاه تعني بذل الإحسان للآخرين وتوجيههم لما فيه الخير لهم وتمنع من وقوعهم في الخطر، ولقد مدح ربنا تبارك وتعالى نفسه المقدسة بأنه أرحم الرحمين ومدح عباده مستحقو جناته أنهم رحماء بينهم وأنهم يتواصون بالرحمة { ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ }
وما تقرب عبد إلى ربه بمثل التخلق بصفاته ما استطاع لذلك سبيلا، ومن تخلق بخلق الرحمة فاز بما استبعده الناس عنه بل وبما لم يخطر له ببال أبدا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ} متفق عليه.
الزنا جريمة لا يخفى عظم خطيئتها وعظم خطرها، وخطيئة تلك المرأة لم تكن عارضة لنزوة بل كانت مصدر رزق لها عياذا بالله تعالى، فهي بأحط المنازل وأخسها، ولكن كان في قلبها رقة حركت مشاعر الرحمة حينما كانت في غفلة من الناس، فقامت بعمل هو أيسر من أن تذكره لأحد من الناس. فكانت تلك المشاعر وذلك العمل البسيط أقوى من كل الخطايا التي عملتها فتساقطت برحمة الله خطاياها وذنوبها، وما ذاك إلا لأجل تلك المشاعر، فمشاعر الرحمة ما قويت وحركت قلبا للإحسان للمحتاج إلا وتحركت الرحمات من السماء مبادرة تلك المشاعر بخير مما عملت وبخير مما أمّلت.
استحقت رحمة الله لما رحمت ضعيفا، وزالت ذنوبها لما أزالت العطش عن كلب، وخُلد عملها لما رحمت.
إنها الرحمة تلك الصفة التي جعلها الله تعالى من أعظم صفاته، وجعلها الصفة الغالبة على كل شيء حتى غضبه جل وعلا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي} البخاري.
فهذه رسالة لكل الخليقة أن رحمة الله تعالى التي ينشدها الجميع مرتبطة بما في القلوب من رحمات بالآخرين. عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ} البخاري.
ومن رحمة الله تعالى أن جعل للرحمة آثار ظاهرة تبين وجود الرحمة في القلب من عدمه، وتبين للناس مستوى تحرك مشاعر الرحمة في القلوب، ولذا فمن يقول عندما يرى نتيجة وقوع أحد ما في مصيبة بسب خطأ ارتكبه فيقول هذا جزاؤه، أحسن، ما لي دخل به، اتركوه وشانه، بل يأتيه مراجع في معاملة ما فلا يدله على السبيل الأمثل للإنهاء يُظهر تجرده من كل مشاعر عاطفية تجاه أخيه المسلم، فإنما هي قسوة قلب غلبت رحمة مفترضة هذا فضلا عن غيبة ونميمة وسعيا للإساءة ومن لا يرحم لا يُرحم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ» مسلم.
بمعنى قلوب رقيقة تسعى لنفسها ولمن معها بالخير، تكره الأذى ولا تتحمل رؤيته بأحد، وتتعاطف مع المصاب بالأذى فتظهر رحمتها بالتعاطف معه بما يناسبها فزعة او نصيحة او دعوة يسمعها المصاب والمتعثر أو ناقل الخبر توحي برحمة تحركت في قلب المستمع. نسأل الله أن يرحمنا وان يجعل الرحمة خلقا لنا
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه حمدا يحبه ربنا ويرضاه نحمده سبحانه حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشيرا للمؤمنين الحريص على الثقلين وبالمؤمنين رؤوف رحيم صلاة ربي عليه وعلى آله وصحابته والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله
وتظهر آثار الرحمة الصادقة في بيت الأسرة مع الوالدين ومع الزوج وتتجلى مشاعر الرحمة في ملاعبة الصغار وتحمل إزعاجهم فإذا لمس أهل هذا البيت الرحمة فيما بينهم كانوا رحماء بمجتمعهم، وأي مجتمع يتعامل بالرحمة فهو حري برحمة ربانية تعمه في كل شأنه. يجب أن ينشأ الولد ذكرا أو أنثى على مبدأ التسامح والتغاضي عن الأخطاء وهذا لا يتم إلا بما يشاهده من أهله معه، لابد من تعبير عن مشاعر الغضب تجاه من أخطأ ولكن تكون مجرد مشاعر عابرة تمر ولا تستقر فبهذا تبنى البيوت والأوطان. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ eالرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، } الترمذي وأحمد وصححه الألباني.
أظهروا الرحمة بشتى الصور المناسبة لما مكّنكم الله منه، وصور الرحمات كثيرة تظهر في كل إحسان للآخرين وتعاطف معهم، انشروا الرحمة بإدخال السرور على أفراد الأسرة، وانشروا الرحمة بالإحسان للجار وللمجتمع وبأداء واجب كلفتم به، وانشروا الرحمة بتجنيب الآخرين خطرا يمكن أن يقعوا فيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ». متفق عليه.
وما أكثر المسامير وأشبهاها في طرقاتنا وأشد منها دوافع تصنع لإيقاعهم في الخطأ، فاطلبوا شكر الله والجنة بإزالة الأذى وتجنيب الناس الوقوع فيه، ولا يخفى ان أعظم صور الرحمة منع النفس من الإساءة أو التسبب في إساءة. عن أبي موسى رضي الله عنه؛ أنَّه سمعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: لنْ تُؤمِنوا حتَّى تَراحَموا" قالوا: يا رسولَ الله! كلُّنا رحيمٌ. قال: إنَّه ليسَ برحْمَةِ أحدِكُم صاحِبَهُ، ولكنَّها رحمَةُ العامَّةِ". صححه الألباني
انشروا الرحمة عباد الله بالدعاء بالرحمة لكم ولمن تحبون وتقابلون، وبكف الأذى وبغض الطرف عن الخطأ، وبمنع وقوع الناس في الخطأ، فمن يرحم فإنما يرسم خطة أمان مستقبلية له ولأسرته ولوطنه ، ذلك أن الله تعالى قد وضع الحياة بأيدينا نرسمها كيفما نشاء حكمة منه سبحانه وعدلا ولا صورة أجمل من صور التراحم ولا سبيل للسعادة يُسلك كسبيل التراحم والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
تعليقات
إرسال تعليق