الرحلات البرية نزهة وعبادة وتربية


الحمد لله الولي الحميد البر الرحيم ، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم. وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله ختم به الأنبياء والمرسلين وأرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله فبالتقوى وصّاكم الله وللتقوى سابقكم خِيرة عباد الله، إذ التقوى هي مطية عباد الله للوصول لمرضاة الله وللفوز بخيرات الله. 
عباد الله يقول ربنا جل في علاه {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } 
الكون بسمائه وأرضه آيات عظام، هذه الرياح وتلك السحب بذاتها آيات وتأثيرها في الطبيعة وفي النفوس آيات هي الأخرى، حياة الأرض بعد موتها وظهور الكائنات الحية الصغيرة بعد اختفائها آيات لا تخفى. وفي الطبيعة المتجددة دعوة متجددة للتفكر والتأمل واكتشاف أسرار صنع الله الذي أتقن كل شيء. 
عباد الله وها قد رأينا رأي العين قول الله سبحانه {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} فها هي الأرض اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج بعد أن ساقت الرياح السحب ناقلة رحمات الله، وتلك آيات والتفكر في الآيات عبادة يدرك بها المرء قدرة الله وفضله وقربه وسعة رحمته، والتفكر في حد ذاته آية يتميز به المؤمن عن غيره والعاقل من الجاهل، وبالتفكر يتبين البصير من الأعمى. وإذ اهتزت الأرض فأطربت بزهرها وبريحها كل الكائنات الحية، فقد طابت النزهات البرية.
 ولقد كان الخروج للبر للتنزه إحدى محبوبات النبي صلوات الله وسلامه عليه حيث الخروج من قيود الحياة الرتيبة وحيث صفاء الأذهان تبعا لصفاء الطبيعة، عَنْ شُرَيْحٍ بن هانئ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ الْبَدَاوَةِ - الخروج للبادية - فَقَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْدُو إِلَى هَذِهِ التِّلَاعِ، وَإِنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ مَرَّةً فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَاقَةً مُحَرَّمَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ لِي يَا عَائِشَةُ ارْفُقِي فَإِنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ } أبو داود وصححه الألباني. 
واليوم قد طاب للناس الخروج للتنزه فلتكن هذه النزهة عبادة نتقرب بها إلى الله تعالى. 
بدءً بنية الترويح عن النفس فإن تجديد النشاط بما ليس محرما عبادة، وكذلك نتعبد في رحلاتنا بالذكر فإن اقتران بهجة النفس بذكر الله دلالة إيمان صريح جعلنا الله من المؤمنين، وإن مما مدح الله تعالى المؤمنين به أنهم يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض. 
ومن العبادات في الرحلات تزيين الرحلة بالرفق على الرفقة وبالرفق في القيادة في الصحراء، فإن البيئة الصحراوية حينما تعطي هذا الجمال فإنها بحاجة لشكر أهلها لها ولبرهم بها وذلك بالرفق بنباتها فلا يداس بالمركبات ولا تثار الأغبرة عليه فإن الغبار يهلكه ويجب ان يراعى العشب ويعتنى به حتى يلفظ بذوره أو على الأقل أن ينثر الحاصد البذور في الأرض لتكون المواسم القادمة أفضل وأكثر نباتا، كذلك نتعبد لله في نزهتنا بمشاركة الأسرة الترفيه فحبيبنا عليه الصلاة والسلام يصطحب أسرته وما كان يتحرج أن يعلم الناس أنه يسابق أزواجه في البريّة ما دام بعيدا عن أعين الناس، 
ولكل متنزه في الصحراء أذكّره بقول النبي صلى الله عليه وسلم : يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةِ الْجَبَلِ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ يَخَافُ مِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ} النسائي وأبو داود وصححه الألباني. وبقوله صلى الله عليه وسلم لأَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ:ُ إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} البخاري

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على المبعوث معلما وميسرا وهاديا إلى مرضاة رب العالمين وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله  
يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَالظِّلِّ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ} أبو داود وابن ماجة واحمد
ويقول صلى الله عليه وسلم :الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ} مسلم
وفي المتنزهات يتأكد الالتزام بشعب الإيمان ومنها الذكر والتعبد والتفكر وإماطة الأذى عن الطريق وأماكن الجلوس والاستراحة، والحياء من الناس بمراعاة أذواقهم ومشاعرهم وعدم الظهور بما لا يليق هو من الحياء الذي يزيد في الإيمان وينميه، وكذلك عدم خروج النساء في المتنزهات الصحراوية أو الحضرية عن حدود الأدب والستر والحياء هو إيمان يزيد في الإيمان ويعين المؤمنات على الإيمان والاتصاف بهذه الشعبة الحيّرة. 
وإن مما يُعد جرما في حق الأرض وحق الجمال البيئي وحق الأجيال القادمة هو ذلك الرعي الجائر الذي استنزف النباتات قبل أن تصنع بذورها وقبل أن تأخذ الأرض ثروتها من البذور لتعيدها في المواسم القادمة، 
وكذلك الاعتداء على الأشجار قطعا وتكسيرا وتخريبا لأجل التباهي الممجوج، مع أن ما في السوق هو أجود منها، وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار، سئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال هذا الحديث مختصر يعني من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها، صوب الله رأسه في النار} أبو دواد والنسائي وصححه الألباني
وبالتأكيد فإن القاطع والمعين له بأي شكل كمن يساعد أو يشتري أو يدل على بضاعته ويسوق له وعدم التبليغ عنه لمن تأكد هم شركاء في الجريمة فلا اظن أن مؤمنا يغامر برأسه في النار لأجل شبة نار او حفنة مال. ختاما لله علينا حق في كل شان بشكر نعمته والتقرب إليه بها فاكثروا من شكره وذكر واسعوا لتحسين عبادته وأكثروا من الصلاة والسلام على نبيه وحبيبه فبذلك وصاكم جلّ جلاله بل وأخبر عن نفسه المقدسة أنه يصلي عليه وملائكته اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل