العمل التطوعي ( القرض الحسن )


 عباد الله يتكرر على ألسنتنا ومسامعنا قول الله تعالى { قرضا حسنا} جاءت هذه الجملة في ستة آيات من كتاب ربنا تحث عليه وتؤكد على فضله وأهميته، ولو عدنا لمعاجم اللغة العربية لوجدنا أن معنى القرض يشمل أكثر مما هو في أذهاننا فغالبنا يتصور أن المراد هو السلفة النقدية بينما هو أشمل من ذلك! 
فالْقَرْضُ: اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُعْطِيهِ الْإِنْسَانُ لِيُجَازَى عَلَيْهِ، فَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى عَمَلَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ على رجاء ما أعدّ لهم مِنَ الثَّوَابِ قَرْضًا، لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ لِطَلَبِ ثَوَابِهِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْقَرْضُ مَا أَسْلَفْتَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ أَوْ سَيِّئٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ: الْقَرْضُ: هو ما أعطيته لتكافئ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْقَرْضُ: أَنْ تُعْطِيَ شَيْئًا لِيَرْجِعَ إِلَيْكَ مِثْلُهُ. 
ومن هنا ندرك أن لفظة القرض أوسع من أن تحصر في المال فهي تشمل كل الأعمال التي تُفرّج الهمّ والثقل والعناء أو تؤنّس وتدخل السرور أو تفتح باب أمل وعمل وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي } مسلم. فهنا مجموعة أعمال متنوعة جعلها الله جلّ جلاله قرضا عليه يرده سبحانه وتعالى يوم القيامة لصاحبه. وماذا إلا ترغيبا منه جلّ وعلا للعمل التطوعي الذي تقدمه وفيه منفعة لغيرك، تُتعب فيه جسدك أو تخسر فيه شيئا من مالك يفترض في عقل الإنسان المادي أن له ثمنا ولكنك لإيمانك ورجاء ما عند الله تبذله مجانا بل وتدفع له مقابل. 
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ.. } 
ومن الأحاديث التي نحفظها منذ الصغر قول رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا} والشدّ أن تكون جميعا لبِنات البناء مترابطة مُعتنىً بها في كل مراحلها وبالتساوي بين جميعها فإذا ترهلت إحدى اللبنات وتُركت تفكك البناء بكامله وتهاوى ولذلك جاء تشبيه المجتمع بالبناء للتأكيد على التماسك وللتحذير من ترك طرف في حاله. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ} البخاري. هذه الأعمال على تنوعها هي أعمال تطوعية ليست مفروضة وإذا قدمت بدون مقابل وبلا إكراه بل تبذل لوجه الله تعالى ورجاء ما عنده كانت قرضا حسنا لابد أن يوفى لك.



عباد الله فيقول ربنا تبارك وتعالى { وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّ‍َٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ } 
وعدٌ من الله تعالى أن يكون معك وأن يُكفّر عنك سيئاتك وأن يُدخِلك الجنة إذا التزمت ما وجب عليك من هذه الخصال الأربع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ونصرة نبيك وسنته وقدّمت قرضا حسنا. ولكن متى يجب عليك ذلك؟ لكل منا حاله وقدرته ولسنا سواسية في المسئولية فمِنا من تجب عليه إقامة الصلاة جماعة ومنا من يعذر وهكذا بقية الأعمال، لكنها حينما تكون في أذهاننا حاضرة والنفس إليها مبادرة ما استطاعت لذلك سبيلا فالله معنا ومن كان الله معه فليهنأ وليتطلع لما هو أفضل. 
وللعمل التطوعي ثمار لا تحصى في الدنيا وفي الآخرة والأمثلة كثيرة في كتاب ربنا وفي سنة نبينا وفي واقع حياتنا، يأتيك من يساعدك ويخدمك يأتيك من يسدي لك كلمة محفّزة تتغلب بها على خوفك وهمّك يأتيك من يقدم لك خيرا، 
فتفرح وتقول أتى به الله لي، سبحان الله كيف جاء في وقته؟ ولو تتأمل في ما مضى من حياتك أو حياة أحد والديك لوجدت ان ذلك قرضا تم تقديمه في زمن ما فجاء في قته المناسب وتلك عاجل بشرى المؤمن، فالثواب اليوم علامة ثواب أكبر غدا، 
والعكس بالعكس فالقرض الحسن عاقبته حسنة والقرض السيء عاقبته مكروهة، وقد تؤخر العاقبة إلى الآخرة لأن الموقف هناك هو المستحق للمكافأة. 
فتطوع بعمل خيّر تسعد أنت وأسرتك من حيث لا تعلم، 
أبعد شوكا ومسمارا عن الطريق، 
أبعد سيارتك عن مخارج الناس ومداخلهم ما دمت تستطيع مشيا، 
ابتعد عن بوابة مدرسة البنات فمن لا حرج عليها أن تمشي في الأسواق لا حرج عليها أن تمشي قليلا نحو السيارة، 
نظّف المتنزهات ازرع شجرا نافعا، 
قدّم كلمة طيبة في موقف يحتاجه من تخاطب، 
ساعد مراجعا في معاملته ساعد طلابك لإنهاء دراستهم بأفضل نتيجة ممكنة، 
ساعد وعاون واخدم من حولك وقهّم شر ما فيه شر ولو حصاة صغيرة تبعدها عن الطريق أو تحذرهم من كلمة صغيرة ذات خطر على دينهم أو دنياهم، 
أدخل السرور والبسمة على الناس واجعل هذا الخُلق الجميل سلوكا متبعا في أسرتك مع كل من حولهم فيدخل الله السرور عليك وعلى أسرتك من حيث لا تعلم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل