الهدي النبوي مع المطر وشكر النعمة

الحمد لله الولي الحميد غافر الذنب وقابل التوب البر الرحيم رحمن الدنيا والآخرة جعل الرحمة صفة له وجعل رحماته مسبوقة ببشائر يدركها المؤمنون وبها يتباشرون ويبشرون، أشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد ليس كمثله شيء وهو السميع العليم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله أرسله هاديا وبشيرا وسراجا منيرا للخلق جميعا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد عباد الله فيقول تبارك وتعالى { وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ }
عباد الله إن مما تمتاز به أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنها أمة متعلقة بنبيها، تبحث عن هديه علها تفرح بمنهجه فتلتزمه فتفرح برؤيته وتفرح بدخول الجنة بصحبته، وإن المتأمل في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ليجد أن أمنياته في الدنيا محدودة أبرزها أمنية أن يرى إخوته، وإخوته ليس من عاش معه وقاتل دونه وبذل ماله نصرة له فأولئك صحابته ولهم حق السبق والنصرة والصحبة ولكن طائفة تأتي بعد وفاته عليه الصلاة والسلام تتمنى لو عاشت في زمانه وتبحث عن سيرته ليكون حاضرا معها في حياتها بهديه قولا وعملا أولئك هم إخوته الذين تمنى رؤيتهم، ويوم القيامة حينما يبعث الناس من قبورهم يتسابق المؤمنون كلٌ إلى نبيه فلا تسل عن فرحته عليه الصلاة والسلام وهو يرى وفود أمته قد ملأت الأفق وهم يتسابقون نحوه ووجهه الشريف يتهلل فرحا بهم، ولكن مما يعجز البنان عن وصفه شكل ملامحه عليه الصلاة والسلام حينما يفزع فؤاده ويتكدر وجهه الشريف لأن الملائكة قامت برد أناس من أمته عنه، ينادي ربه قائلا: رب أمتي، أمتي. فيأتيه الرد القاسي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فهم لا يستحقونك، فيرد بحسرة سحقاً سحقا. وحق له الغضب فلقد ترك أمته على محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك وهم تركوها إما إهمالا أو استغناء، ولتفرح عبد الله بنبيك وليفرح بك نبيك ابحث عن سنته وتأمل هديه وحاول التأسي به في كل شأنه مما ليس من عادات مجتمعه فالسنة المطلوبة ما كانت سلوكا يتقرب بها إلى ربه، ومن ذلك الهدي هديه وقت نزول المطر تخلق بخلقه تفز بصحبته. 
وله عليه الصلاة والسلام هديا خاصا حين نزول المطر، يسأل الله الغيث إن تأخر عن موسمه ويحرك إيمانُهُ قلبَه خوفا ووجلا إن رأى السحاب آخذا في التجمع مستذكرا ما حدث لقوم عاد، وإن هبت الريح قطع ما هو فيه من عمل واستقبل القبلة وإن كان في صلاة توقف عن الذكر الواجب في ذلك الركن وسأل الله خير هذه الريح وتعوذ من شرها ثم أكمل ما كان فيه، وإذا هلّ المطر أظهر فرحه واستبشاره وقال هذا رحمة اللهم اجعله صيبا نافعا، وذكّر نفسه ومن معه بأن هذا بفضل الله ورحمته، وعرّض بعض جسده له ما لم يكن المطر قويا وأمر بإخراج فراشه ومتاعه وسرجه إلى حيث المطر، وإذا اشتد المطر فخيف منه الضرر دعا ربه أن يبعده عن المساكن وينقله إلى الصحراء والأودية.
ولأن تنزل المطر إنما هو تنزل رحمات والملائكة والمؤمنون يستبشرون حين نزول الرحمات بفتح أبواب السموات وبرضا ربهم فيبادرون بالدعاء، الملائكة تدعو للمؤمنين والمؤمنون يدعون لأنفسهم ولمن يحبون بكل خير، فلحظة نزول المطر لحظة يرجى فيها إجابة الدعاء ولذا استحب أهل العلم الإكثار من الدعاء تلك اللحظات. 
وإن من التأسي بالمصطفى حال نزول المطر الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء، والتأكيد على الناس في صلاة الفجر حين قوة المطر او برودة الهواء بالصلاة في البيوت وعدم الحضور للمسجد خوف الضر عليهم فتستبدل جملة حي على الصلاة حي على الفلاح في أذان الفجر بجملة صلوا في منازلكم. ولو لم تكن صلاة الجماعة واجبة لم يحتج للتذكير بالرخصة في تركها للمطر. فتأملوا سنة نبيكم وإمامكم وسيدكم وحبيبكم فخذوا منها بنصيب وافر تسعدوا بها وتسعدوا بحياتكم وتسعدوا بنبيكم 

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن لآثاره اقتفى وبعد عباد الله فلنجعل من مشاعر الترقب للمطر عبادة ولنجعل من المشاعر حين نزول المطر عبادة ولنجعل من الفرح بالمطر عبادة ولنجعل من سلوكنا أثناء المطر حتى في قيادة السيارة عبادة، فسنة المصطفى التعبد بالقول والعمل والمشاعر،  وهنيئا لمن فاز بسنته خلقا ومنهجا، واعلموا أن آخر ابتسامة للمصطفى عليه الصلاة والسلام كانت عند رؤيته للناس صفوفا في الصلاة لعلمه أن هذا فيه أمان للناس ومصدر خير لهم، يقول أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلاَةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتْرَ الحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجٌ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتِمُّوا صَلاَتَكُمْ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ} البخاري. 
صلاة الجماعة صلة لكم بربكم وسبب لفرحتكم في الدنيا وفي الآخرة هي وسيلة وعلامة الشكر على النعم، لما سئل صلى الله عليه وسلم عن سبب كثرة صلاته للنوافل قال : أفلا أكون عبدا شكورا، فكونوا إخوة لنبيكم بالعناية بهذه الفريضة شكرا لربكم، اشكروا الله بأداء هذه الفريضة ولا تفرطوا فيها لأي سبب، لا تجعلوا المطر سببا للتفريط فيها والنوم عنها والتهاون بها، لا تجعلوا المطر سببا لأدائها بما يشبه المنّة بها سرعة في أدائها وتركا لأذكارها، عَنِ الْعَلَاءِ قَالَ: صلينا العصر مع أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فتَذَاكَرْنَا تَعْجِيلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا. 
بمعنى ينتظر آخر وقتها وشيطانه يدعوه لمزيد من التهاون والتمهل ثم يؤديها مستعجلا لا يبالي بالمكان ولا الحال ولا باللبس ولا المشاعر كأنما هي حِمل ثقيل تخلص منه، فاتقوا الله في صلاتكم التي هي صلة لكم بربكم وهي علامة شكركم لنعمة ربكم ليرضا ويزدكم من فضله، فراقبوا وقتها وأعدوا العدة لأدائها في وقتها واستحضروا المشاعر والذِكر فيها ولا يغلبنكم الشيطان وملاحقة المطر والتمتع به فتناموا عنها أو تأخروها عن وقتها او تفرّطوا في أذكارها. وأكثروا من الصلاة والسلام على من تظهر خشيته من ربه إذا تخيل السحاب وتجمع وإذا نزل المطر ظهرت فرحته واستبشر، نبيكم وحبيبكم وسيدكم محمد بن عبد الله، أكثروا من الصلاة والسلام عليه فقد أحبكم وخاف عليكم وتمنى رؤيتكم ووعدكم أن تردوا حوضه إن حفظتم سنته في أنفسكم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل