الصلاة الحديقة الغناء بالذكر والدعاء

إن اللهُ تعالى مع غناه وعلوه وافتقار الخلق إليه وخضوعهم له فإنه سبحانه يتحبب إليهم بالنعم يواليها عليهم ويسخّر بقية خلقه لهم، ومع ما وهبهم من فضل لا يعد ولا يحصى فقد رضي منهم إظهار الشكر والامتنان بيسير العمل، وأحبَّ المتقربين وأحبَّ قربتهم، وما من عمل يحبه منهم يوازي حبه سبحانه لأدائهم لما فرض عليهم، وإنهم إن تقربوا بالفريضة الواجبة فكرما منه سبحانه وفضلا يبادلهم هذا القرب بما هو أعظم منه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ} البخاري. وأحب العمل عند الله تعالى هو هذه الصلاة بلغ من عناية الله بها مع غناه عنها وعن خلقه أن أصعد نبيه إلى السماء وقرّبه كي يعلمه بفرضها وأنزل جبريل لنبيه كي يعلمه الصلاة ويحدد له أوقاتها، بل وبلغ من عناية الله بها أنه يُطهّر عبده من ذنوب كثيرة بمجرد الوضوء للصلاة عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ}مسلم. بل ويفرح سبحانه بخروج عبده من بيته قاصدا المسجد للصلاة، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَتَوَضَّأُ أَحَدُكُمْ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُسْبِغُهُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِطَلْعَتِهِ} ابن خزيمة وابن حبان وصححه جمع من المحققين. 
ما أعظمه من إله خالق رازق كريم متفضل محسن، يفرح بك إذا خرجت من بيتك قاصدا بيته لتنفع نفسك تؤدي فريضتك وتطلب حاجتك، بل تأمل قول رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللهُمَّ ارْحَمْهُ، اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ} مسلم. 
الله أكبر ولهذا كله أكّد أهل العلم على ضرورة أن يتوضأ الرجل في بيته ثم يخرج للمسجد كي يدخل في قائمة من يفرح الله بهم وتكون خطواته محسوبة له ويكون انتظاره للصلاة كما لو أنه فعلا في صلاة، وأخشى أن من توضأ في المسجد ومن اشتغل بحديث يغتاب فيه أحدا أو لهى بهاتفه يقلب صورا ومشاهدا أنه يحرم ذلك الخير كله، وصلاة الجماعة يكافئ عليها أحدنا وكأنه صلى سبعا وعشرين صلاة، كما أكره أن يغير الرجل مكانه بعد الصلاة حتى لا يفقد دعاء الملائكة له. 
عباد الله يقول تبارك وتعالى { يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} المراد بذكر الله هنا هو الصلاة فمن لهى عنها خسر ومن كانت همه واهتمامه أفلح وربح { قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ } والويل كل الويل لمن سها عنها، فاتقوا الله في أنفسكم بادروا بها إلى ما يحب خالقها يبادر الله إليكم قبولا ورضا وعطاء أحسنوا العمل يحسن الثواب لكم، نسأل الله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته


فإن عملا له هذه المنزلة من العناية والحب والاهتمام فبالتأكيد لمؤديه منزلة لا تقل عنه، وعمل له ولصاحبه هذا الحب والرضا لا يمكن ردٌ طلب من فاعله يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ أَقْبَلَ اللَّهُ بِوَجْهِهِ، فَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنْهُ، أَوْ يُحْدِثَ حَدَثًا. وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام : فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ } 
ويَقُولُ: صلى الله عليه وسلم قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فإذا علمت أنك في عمل محبوب لربك وربك قبل وجهك فاغتنم الفرصة أحسن المقام ما استطعت واطلب من الخير ما شئت وذلك بعد أن تُنهي الذكر الواجب في الركن المناسب، في الركوع اكثر من تعظيم الله والثناء عليه وفي السجود وقبل السلام وبعد إنهاء الذكر المخصوص تخير من المسألة ما تشاء ادع بما تحب وتعوذ مما تكره وتخاف، ادع لنفسك بخيري الدنيا والاخرة ادع لأسرتك ولأحبتك، الزم دعاء لوالديك في إحدى السجدات وقبل السلام، 
اجعل صلاتك حديقة غناء بالذكر والدعاء تطيب لك الحياة في الدنيا وفي الآخرة لأنك إن حققت ما طلب منك ربك كنت عنده مرضيا لا تُرد ولا تخيب مسألتك. 
فاتقوا الله في صلاتكم التي هي صلة لكم بربكم والتي هي محبوبة ربكم من بين أعمالكم والتي هي آخر وصية وصى بها نبيكم لذا هي اولى الوصايا تقدم للأحبة يتواصون بها ويعين بعضهم بعضا على أدائها وفق ما يريد الخالق جلّ وعلا، راقبوا وقتها فقد وّقت بوقت محدد، وأعدوا العدة لأدائها في وقتها عند نومكم وعند دخولكم لأعمالكم يعينكم الله ويوفقكم لها ويغفر لكم إن قصّرتم بعد بذلكم السبب، استحضروا المشاعر والذِكر فيها تعظم منزلتكم عند من قصدتم ليبقى معكم قبل وجوهكم، لا يغلبنكم الشيطان وهوى النفس فتناموا عنها أو تتركوا جماعتها أو تأخروها عن وقتها فإن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان قد همّ بتحريق بيوت على أهلها بسبب تكاسلهم عن صلاة الجماعة. اعتنوا بفريضة الصلاة ونوافلها وأكثروا من الصلاة والسلام على من أحبكم وتمنى رؤيتكم وبيّن أن العلامة الفارقة التي يعرفكم بها هي من آثار الوضوء للصلاة وجعل ختام وصاياه الصلاة الصلاة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل