حق كبار السن على مجتمعهم


إن من الآداب التي أكدت عليها شريعتنا أدب الاحترام والتقدير للآخرين وكلما كوّن المرء لنفسه مكانة خيّرة زاد حقه بالاحترام والتقدير في مجتمعه، وفي المجتمع أناس فرضت لهم الشريعة على الآخرين حق الاحترام والتقدير قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِى الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِى فِيهِ وَالْجَافِى عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِى السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ} رواه أبو داود. 
وللسن مع الإحسان خصوصية ترفع صاحبها وتفرض على الناس احترامها عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ } الترمذي وأحمد وصححه الألباني.
 من كان محسنا في صلته بربه، تمضي أيام عمره والإحسان بين ناظريه فمثل هذا هو خير الناس في مجتمعه.
 وفي مجتمعنا اليوم الكثير ممن حصّل هذه الخيرية تقدمت أعمارهم وحسنت أعمالهم، أحبهم الناس لخيرٍ رأوه منهم وسمعوه عنهم ولشر تحملوه حماية لغيرهم، ومن أراد الخيرة في مجتمعه فليكرمهم وليتقرب منهم وليستق من خبراتهم وليستفد من تجاربهم ليكون موسوعة للتجارب والخبرات فيحظى بخيرية تعب لتحصيلها كثير.
 إن وجود من تقدم سنه وعظمت خبرته وتجربته فرصة لن تطول، هم بمثابة ثروة فكرية يمكن أن تقفز بالمرء لسنوات ويسلم من كثيرٍ من المغامرات الخاسرة، وجودهم نعمة يجب أن تستغل ولا تُضيّع، خذوا حكمتهم واستنيروا بتجاربهم وآرائهم فقد عركتهم الحياة وجربوا سبل العيش فيها ولديهم خبرة وتجارب وحكم لا يملكها الكثير وهم ثروات إن ضاعت فلن تعوض أبدا، يملكون معرفة لن تعرفها حتى تقاسي الأمرّين بسبب جهلك بها وإن أخذتها منهم اختصرت الزمن وسلمت من التجارب المؤلمة وحققت نجاحات عالية، اعتن بمجالستهم وخذ عنهم وكيّف ظروفك لواقعهم فالعلم لا يأتي بل يؤتى ويسعى إليه، إن كانوا عاشوا حياة غير حياتنا فإن كل ما نمر به الآن قد مرّ بهم وكل ما نحتاجه ونفكر فيه قد احتاجوه وفكروا فيه وإن اختلفت الوسائل. 
والشباب وإن كان هو مصدر الطاقة والعمل والإنتاج إلا أنه إن لم يؤسس بالحكمة ويتوج بتجارب السابقين فسيعاني صعوبات ومشاكل في حياته وستطير من بين يديه الكثير من الفرص السانحة وسيضيع عمره في مغامرات خاسرة، فتجارب كبار السن وخبراتهم غنيمة يجب الفوز بها، وهذا يوجب البر بهم والإحسان إليهم كما بروا وأحسنوا بمجتمعهم وأسرهم وما من بر ولا إحسان لكبير السن مثل تقديره وتقديمه في المجالس ومجالسته والاستماع إليه ورب مجتمع محفوظ بدعوة من هؤلاء الذين هم خير الناس وإن نالتك دعوة صالحة منهم فاستبشر خيرا ولن تحظى بدعوتهم ما لم تكرمهم. 
إن من إجلال الله إكرام كبار السنّ والاستماع إليهم وإلى حكاياتهم وتوجيهاتهم حتى ولو كانت مكررة مملة لا تستقيم والوضع الذي تعيشه فالاستماع والانصات إكرام بحد ذاته، هيئ الأسباب لتفوز بدعواتهم ولنحتم في أوطاننا وخاص أمرنا بصلواتهم .


ورسالة لأولئك الأخيار الحكماء فلا يخفى عليكم ما وصى به الله تعالى نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)) 
أظهروا الرحمة والحب للشباب وأسمعوهم الدعاء المحبوب وافتحوا أبوابكم قبل قلوبكم لمجالستهم فإن من يقع في خطأ لا يعلم أنه على خطأ وقد يبلغ به الشطط حدا أن يرى سُخف ما عليه مجتمعه وسُخف ما يُطلب منه ويُحذّر منه، والصدود الدائم من الكبار عن الصغار والشباب بحجة عدم القدرة على تحمل إزعاجهم ومشاكلهم، وعدم الاستماع إلى أحاديثهم وطموحاتهم بحجة بساطتها وغرابتها وسخفها، والرغبة في العيش بهدوء ومجالسة الأصدقاء الذين يعيشون نفس المرحلة والهموم، لهو مدعاة للنفور بين الجيلين وسبب رئيس لضياع وخسارة ثروات فكرية لا تدرك ولا تعوض وسببا لوقوعهم في أخطاء مدمرة بسبب عدم وجود الناصح في حياتهم، ولنأخذ من نهج نبيا الكريم صلى الله عليه وسلم مثالا وأسوة كيف كان يناقش الشباب في قضايا هي من الكبائر الموبقات ويستشيرهم في قضايا مصيرية للأمة وكيف كان يحنو على الصغار يقبلهم ويلاعبهم بل ويطيل في السجود لأجل أن طفلا هو الحسن أو الحسين ركب على ظهره وهو ساجد كراهية قطع لعبته ومتعته.
 فيا كرام وأخيار مجتمعنا يا من متعه الله بطول العمر وبرجاحة العقل وبوافر الخبرات والتجارب عاملوا الشباب بالرحمة، واحتووهم بمسايرة رغباتهم وحاجاتهم التي لا تخالف شرعا ولا تضر أحدا احتووهم بالعاطفة والحكمة، لنستمع إليهم كما نطلب استماعهم ولنفتح لهم قلوبنا ولنخصص أوقاتا محددة تفتح فيه الأبواب لمجالستهم فبهذا يأنس الشباب بالشيب وتتقوى الصلة ويحدث التقارب والتآلف والاحترام، فيكون لنا من رقيهم ومن صالح أعمالهم نصيبا ويسلموا هم من خوض تجارب خاطئة تؤخرهم وقد تُلحق بهم وبمن حولهم الأذى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل