باعة الدين والوطن

ينشئ الإنسان منذ صغره على دين أهله يتعلمه ويعمل به ويتخلق بخلقه ويفاخر به حتى إذا تقدم به العمر واجه الحياة بمصاعبها وبملذاتها وبفتنها، وفي كل يوم يرى ما يدهشه وما يشده من مغانم مالية أو وظيفية أو اجتماعية أو متع لا يتمتع بها كل أحد، ليدخل في صراع مع نفسه فإن انهزم ضاعت قيمه وباع كل شيء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ } أحمد ومسلم وغيرهما. 
يبيع دينه الذي تربى عليه منذ صغره، يبيع كل قيمه التي تخلّق بها منذ نشأته، يبيع لأنه ضاع في خضم الفتن، والفتن كما قال تعالى { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَ‍َٔابِ
لا ملامة على المسلم إن أحب شيئا من تلك الشهوات فتلك فطرة فطره الله عليها ويعاب عليه إن حاربها، ولكنها شهوات له أن يتمتع بها، وويل له إن تمتعت هي به، إن تعامل معها وفق ما أباح الله له فهو متمتع وإن خالف شرع الله فهو لها عبد وهو لها متاع وهو لها سلم تصل به إلى غيره ثم تلفظه غير مأسوف عليه كما لفظت غيره والتاريخ حافل بمثله. 
ومن باع دينه وباع قيمه لأجل شيء من تلك الشهوات سواء وُعِد بها فهو يطمع فيها أو هو قائم عليها يخاف ضياعها منه فهو عبد لها ستلفظه يوما ما. ومن باع دينه ألا يبيع وطنه؟ 
نحن اليوم نشاهد من يبيع دينه لأجل مطامع دنيوية دنيئة ونرى من يبيع وطنه لأجل طمع في حكمه أو لتصفية حساب مع ولي أمره. 
كيف بيعت أوطان البؤس العربي؟ ومن ساق الناس لبيع أوطانهم؟ ولِما استجاب من استجاب؟ أكلهم باعوا دينهم؟ 
كلا عياذا بالله ولكنهم انساقوا مع الفتنة حتى استعبدتهم فدفعوا ثمن الوطن لمن باعه فلا هم أبقوا الوطن ولا هم حققوا الأمل، فباعوا وخسروا وكسب العدو المتفرج الذي غنم بلا ثمن. 
يقول عليه الصلاة والسلام: فتن كقطع الليل المظلم، هي ليست سوداء ولكنها تعمي الفكر فلا يستطيع المرء معرفة مصير كلمته، من يتلقاها وأين تقف وما حال من يتلقفها ولا كيف تكون حالته بعد كلمته، تسوقه شهوته في ما يتخيله أمل له وما هي إلا شبكة حيكت حوله فاصطادته.
 تأمل كيف تكون الفتنة عمياء يصنعها الأعداء ويساق فيها البسطاء، في تركيا معارض سعودي يعلن توبته ويستعد للعودة لوطنه يقتل فتستكمل إجراءاته الرسمية بدون ضجة على أنه حادث عارض، ويختفي مواطن سعودي في نفس البلد فتكون قضية عالمية تتهم فيها المملكة بتصفية خصومها مع ان الحقيقة لا زالت مجهولة، وبديهي أن للمواقف السياسية أثرها، ومن الغباء القبول بأن التهم تنسب للحكومة وليس للشعب صلة، وتجد من يستمع ويتابع وينقل تلك الأخبار المسيئة بشغف لأنه يظنه منتصرا لدينه ولوطنه والحقيقة إنما هو يهدي وطنه للخونة ليبيعوه للأعداء، ومن باع وطنه ضاع منه دينه ووطنه وأمله. 
تويتر والفيس بوك والملاعب الرياضية حيث تجتمع الناس بلا حدود للفكر ولا للمكانة الاجتماعية كلٌ يتكلم وكلٌ يسمع ويقرأ وينقل بحسب ما لديه من دين وقيم وفكر، والغالب أنه مع الصخب والكثرة يضيع الأدب وتتساقط القيم ويحضر الشيطان ليقود الحسّ والشعور والفكر.

 حينما نرى تلك الضغا  ئن تنهال علينا من أبواق الشر التي تصمت حينما تقع الطوام العظام من غيرنا نتذكر قول الله تعالى { وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ } وقد لحق بهم بعض المنتسبين للإسلام هوية ومظهرا وجانبوه عقيدة وخلقا، فاحمد الله على هذا الوطن واعلم أنه على الهدى ولهذا غضب عليه الأعداء، يقول عليه الصلاة والسلام: ثم فتنة الدُّهيماء، لا تدع أحداً، من هذه الأمة إلاَّ لَطمته لَطْمَةً، فإذا قيَل انقطعتْ تَمَادَتْ يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً} أحمد. 
فتنة الدهيماء من اسمها تعرف ان نارها ووقودها هم الدهماء أي العوام الجهلاء فإذا عمّت تلك الفتن فعليك بالمبادرة للعمل الصالح حيث يقول عليه الصلاة والسلام بادروا بالأعمال أي سابقوا المصائب والفتن بالعمل الصالح حتى إذا جاءت الفتنة حفظكم الله بعملكم الصالح، وما من عمل يقي النفس الانسياق خلف الفتن مثل الصلاة وتلاوة القرآن بقلب حاضر اما العمل بدون قلب واعي أو بقلب مغلف بالفتنة فما ينفع صاحبه فكثير من المفتونين نحقر صلاتنا عند صلاتهم، وتلاوتهم لا تتجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. 
وكذلك عليك بجماعة المسلمين وإمامهم كما قال عليه الصلاة والسلام، فكن من الجماعة ومعهم ادع لإمامك بالتوفيق والسداد فصلاحه صلاح لك ولأحبتك ولوطنك، ولا تقبل في إمامك سوء ظن فضلا عن تهم تلقى جزافا، واعلم أن ما يتهم به إمامك هو اتهام لك وفتنة تساق إليك وشر يراد بك. وتجنب مواطن الفتنة ومثيراتها ومجالس أهلها عند أحمد عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، يَعْنِي فِي الْفِتْنَةِ، وَالْزَمُوا أَجْوَافَ الْبُيُوتِ، وَكُونُوا فِيهَا كَالْخَيِّرِ مِنْ ابَنِي آدَمَ}. 
قنوات البثّ الفضائي وبرامج التواصل ورسائلها تستعبد الناس وتسوقهم إن أساءوا استخدامها فاحذر ان تعبث بك كن قائدا لنفسك ولها، استمتع بها باعتزالك مواطن الفتنة وبانتقاء ما ينفعك وبترك ما لم يكلفك الله به وبالحذر من نقل كل ما يصل إليك. 
كن طيبا وانتق طيبا فالكلمة إما شجرة ثابتة مثمرة طيبة هي وأهلها وما أنتجت وإما شجرة لا قرار لها خبيثة هي وأهلها وما أنتجت، وكلٌ وما انتقى لنفسه والله تعالى يقول { ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ }

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل