التوبة وجيش العسرة خطبة الجمعة 22 / 10 /1439 هـ
الحمد لله الولي الحميد العزيز الحكيم الملك البر الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له التواب الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبدالله ورسوله وخاتم أنبيائه ورسله وصفوة خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واستن بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، اتقوا الله واعملوا ليوم لقاه، يوم ينظر كل منا عن يمينه وعن شماله فلا يجد إلا ما قدم، فلنجعل ما نجده حينها يبعث فينا السرور والبهجة والفرحة، ولن يُفرح العبد يوم القيامة شيء إلا ما كان محبوبا لله تعالى مفرحا له سبحانه في هذه الدنيا ألا وهو تقوى العبد لربه وسرعة توبته حين خطئه، فالتقوى سبب حب الله لك والتوبة سبب فرحته بك.
عبدالله في هذه الأيام هل خرجت من المدينة متجها لأي من المدن القريبة؟
هل التفت يمنة ويسرة لترى كيف هي الحياة؟
إنها صحراء قاحلة لا أثر لحياة فيها وقد يدهشك السراب حيث الأرض تفوح من شدة لهيب الشمس، ورياح السموم تعصف بكل شاخص من أشجار وأعمدة.
ثم يا ترى هل نظرت إلى المزارع النضرة ورأيت نخيلها وقد زان مرآها؟
هل لحظت كيف هو إعجاب صاحبها بها وهو الذي يرعاها ويرجوها كل العام؟
في مثل هذه الفترة من السنة وفي مثل هذه البيئة المُوجعة المُؤمِّلة حدثت حادثة خلدها القرآن العظيم، حادثة فضح الله فيها المنافقين وكشف معالم فكرهم وغاياتهم وأغلظ على المناوئين من المشركين وغيرهم، وشدّد على المسلمين المقصرين، كما أفاض سبحانه في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين.
في مثل هذه الفترة القاسية شديدة الحر قليلة المؤن أعلنت الروم حربها على المسلمين وعزمها على غزو المدينة وتدميرها، فقرر النبي والمؤمنون الدفاع بالهجوم وملاقاتهم بعيدا عن المدينة في تبوك التي تبعد قرابة 400 كم بالرغم من شدة القيظ وقلة المؤونة، ففي مثل هذه الفترة من السنة يكون مخزون التمور وهي الغذاء الرئيسي قد قارب النفاذ وقليل منه ما هو صالحا للأكل،
بدأ الناس بالتجهز وكل يجهز نفسه حسب وسعه، وظهرت أنواع رائعة من التنافس في البذل والإيثار
كما ظهرت فواجع من الخيانات والمؤامرات والتثبيط والسخرية من الباذلين،
ظهر شباب متحمسون صادقون سيخدمون وسيضربون في العدو بما تقر به العين ولكن لا جهاز لديهم وليس مع النبي صلى الله عليه وسلم ما يجهزهم به فيعذرهم، فيتولوا ودموعهم تغرقهم حزنا ألا يجدوا ما ينفقون وحزنا أن يتركوا رسول الله وصحبه يواجهون طغاة الروم،
من المنافقين من أخذتهم الحمية وخوف العار فشاركوا ولكنهم كانوا عوامل فتنة وتخريب فهم ضُر لا نفع فيهم ولا منهم، ومن المنافقين من تهرّب من المشاركة كراهية الحر والتعب وكراهية الموت وكراهية نضوج ثمار مزارعهم وهم بعيدون عنها فلا تجد من يعتني بها أو يتعمد إفسادها أو يسرقها فقعدوا في المدينة، وشارك هذا الصنف جمع من الأنصار الأتقياء أخذهم الكسل والتواني فشابهوا المنافقين، لما بدأ المسلمون في الاستعداد والتجهز كانوا يقولون جهازنا جاهز وقريب غدا نتجهز، وكل يوم يؤجل للغد حتى تحرك الجيش فقالوا غدا نلحق بهم حتى بعُد الجيش فندموا فمنهم من حمله الندم على التبرؤ من النفاق فحمل جهازه وانطلق لاحقا بالجيش ومنهم من غلبه العجز والكسل والتطلع للثمر الذي قارب النضوج فبقي مشابها للمنافقين وهو لا يرى إلا من عذره الله أو منافق مغموس في النفاق،
انطلق الجيش والعشرة منهم يتعاقبون ركوب البعير الواحد، ومن معه تمر فإنه يُقتّر على نفسه في الأكل لعلمه بطول السفر وشدة اللقاء مع العدو وانقطاع التموين عنهم،
وما هو التمر الذي معهم إنه برغم قلته لسوء تخزينه قد أسوّد وأسرى أي أصيب بالدود والكثير منا قد جرّب التمر إذا طال تخزينه قبل وجود هذه المجمِّدات ووسائل الحفظ التقنية،
ولنا أن نتخيل الجيش سائرا في تلك الصحاري التي نشاهد مثيلها بل هي أشد مما نرى، نتخيل الجيش وهو على تلك الحال من قلة المؤونة وقلة الدواب المركوبة نتخيله يزحف تجاه تبوك وهو يرقب عدوا يسمع عن قوته وبطشه ولم يسبق له مواجهته ولا مواجهة مثله.
نتخيل ذلك فنسأل الله أن يديم علينا فضله وأن يفيض علينا من نعمه وأن يعيننا على ذكر وشكره وحسن عبادته .
أحمده ربي واشكره واثني عليه الخير بما هو أهله، وأسأله من فضله ورحمته لي ولكم هداية وتقى وعفافا وغنى والصلاة والسلام على النبي الصادق الأمين البر بأمته الرؤوف بهم الرحيم بهم وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فإن ما أعطاه الله لرسوله أن نصره بالرعب فلما تحرك الجيش المسلم أنزل الله الرعب في قلوب الروم لما علموا بتحرك الجيش لملاقاتهم فآثروا محو الفكرة من أساسها فبقوا في الشام معرضين عن قتال لا مصلحة لهم فيه، فبقي الجيش المسلم أشهرا معسكرا في تبوك ثم قفل عائدا للمدينة،
فقصد عليه الصلاة والسلام المسجد فصلى ركعتين كعادته حينما يقدم من سفر، ثم استقبل الناس فجاءه من في قلبه بعض إيمان يعتذر عن عدم المشاركة فيستغفر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واكلا أمرهم لله
وأما المنافقون الخُلّص فكابروا وكره الله مقدمهم فلم يعتذروا،
وبقي ثلاثة من الأنصار أكل قلوبهم الندم جاءوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائلين استغفر لنا فلا عذر لنا إلا الكسل، ولصدقهم ولرغبته عليه الصلاة والسلام في عفو الله عنهم أمرهم بالانصراف لحين يحكم الله فيهم وأمر الصحابة بهجرهم وأمر أزواجهم باجتنابهم تأديبا لهم وامتحانا لصدقهم فهجروا لا يُكلمون ولا يرد عليهم السلام فلما ملّوا اعتزلوا عن الناس وبعد خمسين يوما من العزلة ولما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر وهو في مصلاه نزل عليه الوحي فأشرقت أساريره فرحا وتلا قول الله تعالى
{ لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ }
فتباشر المسلمون وهنأوا بعضهم وانطلقوا لأولئك الثلاثة يبشرونهم،
وتأمل حين يتبين اليقين يأتي الفرج وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ
وتأمل ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ لما عاشوا الفرحة بالتوبة مع قائدهم ومع مجتمعهم أُمِروا بان يلازموا التوبة فإنها فرحة كما هي حاجة ملحة، فإذا تيب عليك فتمسك بالتوبة والزمها ولازمها فالله بتوبتك أشد فرحا منك بلقيا ضالتك التي بها حياتك،
هل أحسست بالذنب يوما هل مستك حاجة ما فرفعت يديك تناجي ربك تستغفره وتنشده رحمته فشعرت بلذة لتلك المناجاة وبارتياح في قلبك ؟
هذه علامة مؤكدة بقبولك فعاود التوبة والمناجاة وعاود كسب تلك اللذة وذلك الارتياح من خلال تلك المناجاة، وتأمل لما تاب الله على كعب بن مالك قال يا رسول إني أتصدق بكل مالي شكرا لله فقال عليه الصلاة والسلام أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، نفقتك على نفسك وعلى أسرتك وتأمين عدم حاجتهم للناس خير لك. تلك الحادثة سماها الله تعالى ساعة العسرة وأحداثها وأخبارها وحِكمها وعبرها لا تؤخذ من خطبة جمعة فأقرأوها في كتب السيرة والتفسير اسمعوها في أجهزة هواتفكم
ابحثوها عنها فهي كنز بل كنوز وأنقذوا أنفسكم ووطنكم ومجتمعكم بأخذ العبر منها فإن كانت الأحوال البيئية والمناخية متشابهة فالحال الاجتماعية والسياسية كذلك متشابهة،
تذكروها مع كل موسم صيف واشتداد حره تذكروها مع كل مرأى منكم للصحراء القاحلة، وللثمار الناضجة، واحذروا زهرة الدنيا أن تحرمكم لذة مناجاة ربكم ولذة الاستجابة لمن يناديكم إلى ربكم، وتخيلوا فرحة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه بالتوبة وتذكروا أن الله يفرح بالتوبة ويحب التوابين فكرروا التوبة والاستغفار تفلحوا وتسعدوا وتأمنوا
تعليقات
إرسال تعليق