المطر غيث للقلب ييحي الإيمان ويبعث التفاؤل
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاتم أنبيائه ورسله وصفوة خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله وأطيعوه واستمسكوا بشرعه والزموا هدي نبيه تسلموا من سخطه وتسعدوا برضاه وفضله وتنعموا باليسر والعاقبة الحسنة في شأنكم كله يقول الله تعالى { أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ٦٣ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ٦٤ } فلمن اتقى بشرى من ربه، ومن بشّره ربه فحظه يسابق أمله والرضا عاقبة أمره، جعلنا الله وأحبتنا ممن يبشر بالخير في كل شأنه وملائكة الرحمة تسابق إليه بالبشرى برحمة ربه له.
عباد الله إن المتأمل في شريعة الإسلام منذ لحظاتها الأول يجد أنها تعنى عناية بالغة بالتوحيد وتجريده خالصا لله تعالى، ويجد المتأمل أن الله تعالى في كتابه الكريم ونبيه الكريم عليه الصلاة والسلام يؤكدان على التوحيد في كل مناسبة، وكل حدث عام للناس يوظّف لتثبيت العقيدة الصافية ولمحاربة الشرك بكل صوره وأشكاله صغيره وكبيره، بل ويةظف لمحاربة الطرق التي قد توصل إليه.
ذات يوم كان المسلمون في حالة إحباط نوعا ما وتوتر بالغ، فلقد شعروا بأن وعدا لله تعالى فاتهم، وأن الحدث الذي ينتظرونه وقدموا لأجله قد فُرِطَ فيه، ألا وهو حدث دخولهم مكة معتمرين والذي تيقنوا منه بعد أن أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى أنهم يطوفون حول الكعبة فتيقنوا من دخولهم مكة، فجاء صلح الحديبية ليوقعهم في هذا الحرج، وفي تلك الليلة مطروا مطرا طيبا فلما صلّى بهم النبي عليه الصلاة والسلام الفجر قال: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ } متفق عليه،وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: ألم تَرَوْا إلى ما قال ربُّكم؟ قال: ما أنعمتُ على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكبُ، وبالكوكب. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} حَتَّى بَلَغَ {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} مسلم.
يقول الله تعالى { إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ١٦٤ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ١٦٥
فما أنزله الله البارحة وهذا الصباح من خيرات إن لم تُحدث في القلوب تعظيما لله وإن لم تُقرّب العبد لله وإن لم تصبغ قلب العبد بصبغة اللاجئ إلى الله، وإن لم تزد العبد حبا لله ولكتابه ولشعائره وسنة رسوله فإن القلب مضغة إن لم تكن تالفة فهي في طريقها إلى التلف.
في صلح الحديبية الذي كرهه بعض الصحابة وسبب لهم إحباطا وشكّا جدّد الله إيمانهم وغرس التفاؤل في نفوسهم بهذا المطر، وفي آيات عدة يذّكر الله عباده بقدرته وباستحقاقه العبودية وحده وينبههم لوجوب تعظيمه من خلال مشاهدتهم للمطر { هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ١٢ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ١٣ لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ١٤
الحمد لله حمدا يبلغ منتهاه والشكر له سبحانه شكرا يبلغنا رضاه هو ربنا وخالقنا ورازقنا لا رب لنا سواه ندعوه ولا إله لنا غيره نرجوه أشهد أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد ان محمد بن عبدالله عبد الله ورسوله وإمام أنبيائه ورسله أتقى الخلق لله وأكثرهم رجاء فيما عنده وأحرصهم على كسب رضا ربه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا} مسلم.
الأصل أن كل مطر هو نافع فالله تعالى وصفه بالبركة { وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ٩ }
وهذه البركة ليست مرتبطة بوجود السبب فقد يوجد المطر ولا توجد الثمرة، ذلك أن ثمرة الغيث المرجوة هي إحدى ثمار رحمة الله ورحمة الله لا ينالها إلا أولئك القوم الذين كتب الله تعالى على نفسه وعدا أن الرحمة لهم { قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بَِٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ١٥٦ فأول الصفات وأهمها التقوى يقول الله تعالى { وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ٩٦
فلنجعل عباد الله هذه الخيرات النازلة والخيرات المرتقبة، خيرات مباركات بأن:
نتقي الله فيها وبسببها، وأن نجعلها سببا لتعظيمنا لله وأداة نتخذها لتذكير الناس بعظمة الله وسعة فضله، وكما كان المطر في صلح الحديبية سببا لتجديد العقيدة عند أفضل جيل عاش على الأرض وسببا لتفاؤلهم وهم في أشد حالات الإحباط، فليكن لنا كذلك مجددا للعقيدة وباعثا لعظمة الله وخشيته في قلوبنا ومصدرا جديدا نتفاءل به لمستقبل أفضل لنا في ديننا وفي دنيانا.
وتذكروا عباد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل المطر استبشر واستغل اللحظة بالدعاء وكان يقول اللهم صيّبا نافعا اللهم صيّبا هنيئا وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :ثِنْتانِ مَا تُرَدَّانِ: الدُّعاءُ عَنْدَ النِّدَاءِ وتَحْتَ المطر. وما أجمل أن نكثر من الدعاء حين المطر فتلك سنة المصطفى وذلك مبعث التفاؤل بالأفضل،
وما أجمل ان نكثر من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حين وبالأخص يوم الجمعة وفي ساعته الأخيرة وعند المطر فتلك وصيته لنا وذلك أمر الله لنا
تعليقات
إرسال تعليق