موعظة عن المعصية

الحمد لله الولي الحميد غافر الذنب وقابل التوب، غفور رحيم ولكن عذابه عذاب أليم، رحمته سبقت غضبه ولكن غضبه إن نزل بساحة قوم فساء صباحهم ، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمد بن عبدالله عبد الله ورسوله وصفيه وخليله بعثه بالهدى والرحمة نذيرا وبشيرا فبلّغ وعلّم ونصح وأنذر وحذّر فصلوات الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا 
وبعد عباد الله فاتقوا الله واحذروه، اتقوا المحرمات صغيرها وكبيرها، وراقبوا نفساً أمّارة بالسوء تدعو للتفريط في الواجبات وللجرأة على المحرمات، واتقوا الهوى وأهل الهوى ومساراتهم، واحذروا خطوات الشيطان التي تتدرج بالغافلين في سلم المعاصي، ﴿ فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ١١٢ وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ١١٣  
هذه عباد الله وصية رب العالمين جلّ وعلا، وصيةٌ ممن علم طبيعة النفس البشرية وخاف على المؤمن عثرة توبق دينه ودنياه، وإن من طبيعة النفس البشرية الميل للسوء ﴿ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ٥٣  
فالنفس تميل للمعصية لأن فيها خروجا عن الأنظمة الحياتية وفكاكا من قيود القيم والأخلاق وحصولا على اللذة والمتعة التي يتحرج منها آخرون. 
المعصية هي ضد الطاعة فكل طاعة تُترك هي معصية وكل مخالفة لتوجيه شرعي ترتكب هي معصية، وكل من عصى الله بأي نوع من المعاصي فإنما هو في مسلك شيطاني إذ المعصية سلوك وخلق شيطاني { إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا٤٤ 
وإن أعظم رحمات الله التي تتنزل على العباد رحمته لهم بهدايتهم إلى الصراط المستقيم، وأجمل الصفات البشرية خمس صفات هي ما مدح الله به يحي عليه السلام { وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا١٣ وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا١٤ 
 الهداية رحمة لأن الضلال بلاء وشقاء وظلمة ومصيبة ما بعدها مصيبة ﴿ أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ٢١
الهداية رحمة لأن الله تعالى ربط بين التنعم بالحياة وبين تقواه وطاعته، والنصوص في ذلك كثيرة معلومة، الهداية رحمة لأن حق العبد في التمتع بالنعم يتم أو يَقِل أو يزول بحسب ما في نفسه من إقبال إلى الله أو صد عنه. 
المعصية شؤم أينما حلّت حلّ ضيق النفس وحلّ وهم المتعة وحلّ الخراب الاقتصادي والأخلاقي، 
وانظر للجانب العام من حياة العصاة ولا تقصر نظرك على جانب لحظي مُلمّع لا يبلغ معشار النكد المظلم الذي عمرت به حياتهم. 
المعاصي متنوِّعة ومُتفاوِتة، وكلها ظُلماتٌ بعضُها فوق بعض، وبعضها أغلظُ من بعض، وكل بعد لك عن شيء منها هو رحمة من الله بك 
قال تعالى ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا  
وإن من المعاصي التي تنذر بالعقوبة لصاحبها في الدنيا قبل الآخرة وتنذر بعقوبة للمجتمع إن أعلن عنها وسكت عن المجاهر بها ما ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : 
«اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ»صحيح مسلم (1/ 92)

ومنها ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 
وإن من المعاصي المرور على المنكرات بلا إنكار لها ، والمرور على المنكرات قد يكون مرورا مباشرا وقد تمر هي عبر وسائل الإعلام التقليدي والحديث وفي كلا الحالين لابد من إنكار مناسب وفق المتاح لك يظهر في المكان الذي واجهت فيه المنكر، 
ومع خطورة المعاصي بأنواعها إلا أن الله تعالى يقول ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِ‍َٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ٥٤  
اللهم اجعلنا توابين أوابين واغفر لنا ولوالدينا ولأزواجنا وذرياتنا وإخواننا وسائر أحبتنا والمسلمين والمسلمات إنك أنت العزيز الحكيم الغفور الرحيم

الحمد لله الولي الحميد العلي العظيم والصلاة والسلام على النبي الأمي الصادق الأمين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه 
وبعد عباد الله فإن من أدوات تشكيك الناس في دينهم أن تُنزل الأحكام ونصوص العقوبات الواردة على الموبقات وكبائر الذنوب على بقية المعاصي التي تكفرها الصالحات من الأعمال والأقوال وأن يطالب العامة في مسألة الإنكار بمهام الخاصة، فإن ذلك يولد اضطراب نفسيا لدى المسلم البسيط حينما لا يقع الأثر المحذر منه على الذنب الذي ربط به.
كما إن من أعظم الخطايا خطيئة تبرير الخطيئة.
 وأن يتاح لمن يشاء حضور منكر ما في مكان مغلق وبمبالغ طائلة تحد من الحضور وتحت رقابة صارمة هو معصية وعون على المعصية، 
ولكن أغلظ منه وأنكى أن يؤتى بالمعصية للناس بلا ثمن في الأماكن العامة وتصدح المعازف وسط الأحياء السكنية حيث من يرغب ومن لا يرغب، وتهيئ الفرص للاختلاط غير المنضبط وتُرفع المعازف التي يتراقص عليها الرجال والنساء فضلا عن المراهقين والأطفال من الجنسين وبدعوى الإباحة الشرعية، لقد ذمّ الله تعالى من يشتري لهو الحديث فكيف بمن يقدمه مجانا. 
وأن يُنكر هناك ويحرض ثم يضحك هنا ويبرر فتلك جريمة لا تغفر، ﴿ وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ١١٦ 
إن تلك المعازف أو الموسيقى المسماة تمويها بالمؤثرات الصوتية هي ذاتها الموسيقى التي يحرمها الإسلام لا تختلف عنها إلا أنها تقدم باسم الإسلام مما يزيدها شرا، فكلاهما سواسية يتجلى فيهما قول الله تعالى للشيطان { وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ
عباد الله الحلوى العفنة تبقى عفنة مُسمِمة سواء قُدمت مكشوفة أو مغلفة بغلاف برّاق. 
المعازف والغناء منكر وخطيئة لأنهما آلة هدم وإفساد للطريق المستقيم الذي امتن الله به علينا، وصوت شيطاني يدعو للخروج عن الصراط المستقيم، صوت يفقد به حلاوة القرآن ولذة الذِكر. 
عباد الله لننشر الفعاليات التي تبهج الناس وترفّه عنهم وتساعدهم في معيشتهم وكسب أرزاقهم ولنطهرها من المعازف ومظاهر الفسق، ولنحفظ الخصوصية لمن أتينا بينهم وعندهم فالخصوصية حق محفوظ في كل الشرائع والنظم، ولنحذر من فتح باب للشيطان وأصحابه فما من باب كباب المعصية. ولقد تعوّذ النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ذلك الزمان من الفتن ما ظهر منها وما بطن فكيف بنا في زماننا هذا ؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل