سورة الضحى رسالة أمل وفأل حسن
الحمد لله الملك البر الرحيم واسع الفضل والعطاء الملك الغني الكريم يداه سحاء بالخير بالليل والنهار لا مكره له في العطاء ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير وأشهد ان محمد بن عبد الله عبدالله ورسوله وصفيه وخليله سيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله بمراقبته سبحانه كما يراقبكم هو جلّ جلاله واستشعروا معيته معكم حين تَقدموا للوقوف بين يديه وحين تنشغلوا في أمر دنياكم، فمن راقب الله ونهى النفس عن هواها لأجل الله كان حقا على الله أن يغفر ذنبه وأن يرضيه وأن يذهب همّه وأن يجبر كسره جعلنا الله وأحبتنا منهم. يقول تعالى{أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ٦٣ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ٦٤. فاستبشروا عباد الله فإن من بشّركم هو الله،
عباد الله في مكة المكرمة وفي زمن النبوة الأولى نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم ضيق وانزعاج فثمة أزمات اجتمعت عليه،
أزمة نفسية حيث عرضه الدعوة على الناس والناس تصد عنه وقريش تحذر منه وتصفه بأسوء الصفات، ومشاهد الألم والتعذيب بأصحابه أمام ناظريه كلما خرج من بيته وكلما مرّ بأحد طرق مكة،
وعزلة اجتماعية فالكثير يتهرب من اللقاء به، ومن آمن به تخفى عنه لئلا يؤذى،
توفيت زوجته عضيدته في رسالته، وتوفي عمه حاميه وناصره بعد الله،
والفقر يحيط به ويمنعه من ترغيب من يرغب في إسلامه، وكثير من الناس لا يحترم إلا ذو المال ولا مال لديه عليه الصلاة والسلام،
وبيئة عامرة بالفساد الخلقي والعقدي في أبشع صور الفساد
وزادت الأزمات والضغوط فانقطع الوحي ولم يعد جبريل عليه السلام يأتيه كما كان يفعل،
كل ذلك الحِمل العظيم ولم يشتك عليه الصلاة والسلام ولم يبد ما في قلبه من القلق بل صبر واستمر على مبادئه وفي دعوته، وهدفه بين عينيه يغذيه يقينه بصدق ما هو عليه ويقينه بأن الله معه، ويدفعه أمل لا ينقطع ولا يتردد بأنه سيصل لهدفه يوما ما وأن سبيل الوصول للهدف هو الثبات على المبادئ،
بدأ المشركون حملة إزعاج ساخرة منه صلوات الله وسلامه عليه: يا محمد لقد تركك ربك ولو كنت حقا مرسل من عنده لما أبغضك وتركك.
ولكن الله لم يطل المعاناة على نبيه فأرسل بالفرج رحمة منه سبحانه وحباً وشفقة على نبيه وخليله، وتأمل لما جاء الفرج لم يأت بإزالة الكرب والشدة ولم يأت بالقضاء على الأعداء في تلك اللحظة بل جاء بإحياء الأمل في النفس وبالوصية بطَرق السبل الموصلة وباستغلال الفرص السانحة،
جاء الفرج في سورة الضحى إذ الفرج يكون بنعمة التوجيه الصحيح للتخلص من الهموم والأزمات وليس في حلها، فحلها لا يعطي المتضرر درسا ولا دروا ولا خبرة في معالجة قضاياه بل يعوّده الاتكال والكسل،
وإنك لتعرف نعمة الله عليك بنظرك في مجالسك التي تجلس فإن كان المجلس يتحدث عن الأوجاع والمكروهات ولا يعطي حلا للتعامل معها فمجلسك مجلس سوء وضر بالنسبة لك،
تتحدث مع صاحب لك حول قلة دخلك في مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة فيبادلك الشكوى خوفا أن تطلب منه مساعدة أو أن تفسد عليه حياته بحسدك له وكان يمكنه مساعدتك برأي في حسن الإنفاق وإدارة الأوليات أو أنه يخشى إن لم يوافقك أنك تغضب عليه فصديقك من صدقك لا من صدّقك، أو يزديك هما على همك حينما يبادلك الشكوى بشكوى حال أسوء منك لا يعينك ولا يخفف عنك فتحمل همّا جديدا وهو أن لا خلاص من الهمّ فمثل هذا ضرره أقرب من نفعه والخير في مفارقته،
تتحدثون عن منكر عام وقع أو سيقع فلا يوجه أحد بالحل تجاهه بل إما بإنكاره بتاتا وتكذيب المتحدث ليتأجج المجلس بالدفاع عن الرأي أو بالرسالة السلبية المعروفة الله أقوى الشكوى لله الله المستعان ثم يمضي المجلس بلا حل لتلك المعضلة طارقا شتى أنواع الحديث إلا حديث إنكار المنكر بدرجاته الثلاث وأن الكره القلبي للمنكر يعد إنكارا وخطوة في الحل،
يتخلل ذلك المجلس ضحك ولهو في توهمّ البعد عن الهمّ ولكن الحقيقة أن الهمّ زاد في ذلك المجلس وتلك الضحكات إنما كانت مسكنات لحظية لم تعطك حلا لتكتشف بعد خروجك أنك لم تكن في نعمة بذلك المجلس وأن جلساءك لم يكونا أصدقاء حقا. في سورة الضحى رسالة أمل بفرج كبير وتحسن أفضل لكل من سلك الطريق الذي رسمت السورة خارطته والتزم إشاراته نسأل الله الفوز بفضله والتنعم بنعمه والعون على طاعته
الحمد لله المبدئ المعيد الودود ذي العرش المجيد الفعال لما يريد الغفور الرحيم والصلاة والسلام محمد النبي الكريم الذي ما كان يعجبه شيء كما يعجبه الفأل الحسن صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثير وبعد عباد الله
في سورة الضحى رسالة أمل بفرج كبير وتحسن أفضل لكل من سلك الطريق الذي رسمت السورة خارطته والتزم إشاراته. ففيها التوجيه نحو أمور ثلاثة غاية في الأهمية ذات تأثير مباشر في القدر المقدر لك فإن أردت حسن العيش وحسن العاقبة وأردت الرضا بالقضاء فاعرف هذه الثلاث والتزمها
الأمر الأول: اللجوء إلى الله دوما وبالأخص في الأوقات المشار إليها وهي الضحى والليل إضافة للفرائض المفروضة فثمة ساعات مهمة في بلوغ الدعاء هدفه، وحينما يقسم سبحانه وتعالى بشيء فإنما هي إشارة تنبيه لعظمة المقسم به، فساعات الضحى ذات أهمية ومنزلة بالغة وحينما يسدل الليل ظلامه كذلك، ذلك أنهما لحظات يغفل فيهما الناس عن العبادة لكثرة الصوارف والمغريات والعبادة فيهما تدل على شيء من التضحية وحضور القلب أكثر وقرب الله من عبده يكون أكثر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعثاً، فأعظموا الغنيمةَ، وأسرعوا الكَرَّةَ: فقال رجل: يا رسول الله! ما رأينا بعثاً قطُّ أسرعَ كَرَّةً، ولا أعظمَ غنيمةً من هذا البعث. فقال: ألا أخبركم بأسرعَ كرَّةً منهم، وأعظمَ غنيمةً؟ رجلٌ توضأ فأحسن الوضوءَ، ثم عَمَدَ إلى المسجِد، فصلَّى فيه الغداةَ، ثم عَقَّبَ بصلاةِ الضَّحْوةِ، فقد أسرع الكَرَّةَ، وأعظم الغنيمة. رواه ابن حبان وصححه الألباني.
وأما صلاة بالليل فما ورد فيها يحتاج لمقام خاص بها ويكفي مدح الله لأهلها بقوله { تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ١٦ فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ١٧
والأمر الثاني: الذي جاءت سورة الضحى به هو حسن الظن بالله فتتيقن بأن الله معك لن يخذلك وأن الخير والحال الأفضل سيكون لك في قادم الأيام ما دمت ثابتا على مبادئك.
والأمر الثالث: هو الإحسان للآخرين وبالأخص المسكين واليتيم فمن أحسن إلى الناس وجبر خواطرهم أحسن الله إليه وجبره ورفعه.
فكونوا أولياء الله عباد الله وذلك بالعناية بعقيدتكم إذ لا تقوى ولا ولاية لله مع الشرك صغيره وكبيره، وبالصلاة في أوقاتها والصلاة في أوقات الغفلات،
وأحسنوا الظن في الله فالله عند ظن عبده به،
وانشروا الفأل الحسن في مجالسكم وخذوا بأيدي إخوانكم للخلاص مما هم فيه من همّ بتوجيههم نحو ما أمروا به وكلفوا به لتكونوا أنتم نعمة على من جالسكم ، وأحسنوا لخلق الله يحسن الله إليكم،
وراجعوا تفاسير سورة الضحى فستتغير مع تدبرها حياة كثير من أفراد المجتمع فليس ثمة أحد منا مرّ به أزمات كما مرّ بالنبي عليه الصلاة والسلام واختموا مجالسكم بالصلاة على نبيكم فإليها دعاكم ربكم ونبيكم
تعليقات
إرسال تعليق