سنرحل فلنستعد للرحيل


الحمد لله الملك العليّ العظيم مالك الملك ومدبر الأمر الحي القيوم يقلب الليل والنهار عبرة لأولي الأبصار، جعل لنا في الكون وفي أنفسنا وفيما حولنا آيات نعتبر بها، وبسببها نستعد لما وراءها أشهد ان لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، 
وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله أتقى الخلق لربه وأعرفهم بقدره وأكثرهم صلة به واقربهم منزلة عنده والسعيد من صحب سنته الآن ليصحبه يوم القيامة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا، 
وبعد عباد الله فاتقوا الله وأطيعوه وارقبوا القول منكم والعمل فعسى أن تكونوا ممن قال الله فيهم { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ () الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } 
نسأل الله البشارة بالدخول في زمرة العباد المهتدين المنيبين. 
عباد الله جاء فصل الصيف فعمّ وتمكن وجاء برفقته شمس حارقة وعواصف لاهبة حتى تعوذ الناس من شدة حره، وقالوا متى يرحل، ثم رحل وكأن لم يكن وأفضلُنا من يتذكر بعض لحظاته، وجاء الشتاء ولم يكن بأقل من أخيه الصيف إزعاجا وضرا حتى قلنا متى يرحل؟ 
وها هو في طريق رحيله وسيرحل، وبين الصيف والشتاء فترات ماتعة لا شدة ولا ضر فيها ولكن هي أيضا قد رحلت وسترحل، 
ولئن رحل الصيف ورحل الشتاء فقد وثقنا فيهما لحظات ماتعة ، استمتعنا فيها مع علمنا بأنها لحظات سترحل وكنا نسلي أنفسنا لتحمل  شدائد الصيف والشتاء بعلمنا أنها سترحل، رحل الصيف وسيرحل الشتاء، وسترحل كل لحظات المتعة وكل لحظات الألم والشدة، ونحن كذلك منا من رحل ومنا من سيرحل ولن يبقى منا أحد فالكل راحلون { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ () ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } { قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } 
لئن كنا وثقنا بعض اللحظات المثيرة في حياتنا فإن ملائكة ربنا قد وثقت كل شيء صدر منا وكل شيء مرّ بنا وكل خواطرنا وكل أفكارنا تجاه ما لحظنا وما نزل بنا،
 سنرحل وأحبتنا يستمتعون معنا وهم يعلمون أننا سنرحل ويعلمون أنهم سيرحلون ونحن كذلك نستمتع مع علمنا برحيلنا ورحيلهم، وهذا العلم يجعلنا نسابق الزمن في كسب اللحظات التي تخلّد ذكريات طيبة لنا وإياهم. والأولى أن نسعى لما يرفع ذكرنا ومقامنا في حياة أخرى هي جائزتنا على أيامنا التي قضيناها هنا. 
ومتى ما رحلنا فسنكون في أحد المقامين التي اخترناها لأنفسنا، مقام من يقول يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله، لو أن الله هداني لكنت من المتقين، يعض يديه ندما يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، يا ليتني قدمت لحياتي، لقد أدرك أن الحياة الحقة هي التي استفاق عليها ولم يستعد لها ولا مناص منها فيقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحا، يتمزق كمدا وغضبا وندما حينما يسمع الشيطان يقول 
{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } 
أو بفضل الله ورحمته سنكون في مقام من يقول الحمد لله الذي صدقنا وعده، مقام من أشرق وجهه بابتسامة أمن وفرح واستبشار ونضرةُ النعيم تعلو مظهره يقول يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين، مقام من يقول رب أقم الساعة كي ارجع لأهلي ومالي الذين كانوا عونا لي، مقام من ينادي في رفقته متسائلا عن صاحب له فقده { قَالَ قَآئِل مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِين() يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ() أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ() قَالَ هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ() فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ() قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرۡدِينِ() وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ() أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ() إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ() إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ() لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ} مقام { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ () قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ () فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ()إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ } 
عرفوا ربهم فخافوه ورجوه فأحسنوا القول والعمل وتضرعوا بالدعاء فجاءتهم المنة العظمى بالقبول والرضا وقرة العين بما أملوا ورجوا

الحمد لله رب العالمين الملك البر الغفور الرحيم ذو العذاب الأليم أحمده حمدا يملأ السموات والأرض وما بينهما ويملأ ما شاء ربنا من بعد والصلاة والسلام على نبي الرحمة وإمام الهدى البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
 فإلى متى سيستمر ذكرنا بعد رحيلنا الذي نؤمن بمفاجأته لنا يوما ما؟ 
أو من بالخير سيذكرنا؟ 
حين لحظات الرحيل ستحيط بكل منا ملائكة قد عملنا للقائها إما 
ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس يجلسون منا مد البصر يبشروننا برحمات الله حتى يأتي ملك الموت ليأخذ الروح، 
وإما ملائكة يعرف المفرط ظالم نفسه أي مشهد كريه ينتظره! فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدّق وأكن من الصالحين. مات من نحب ومن نكره، 
مات الملوك العظام والصعاليك الذين لا يؤبه لهم، مات من نعرف ومن لا نعرف، وكل من مات لم يبق له أثر إلا أثر علم قدمه أو تيسير للعلم وأهله، ونشر للعلم حيث لا أثر له، أما الولد إن كان صالحا فنعم العقب ولكنه لن يلبث طويلا حتى يرحل فيمحى الأثر، لن يبقى لك سوى أثر علم يدوم بدوام حملته، وحملة العلم لا ينقطعون فكل جيل يورّث العلم لمن بعده، وكل من تقرب لله بذلك العلم نفعك ولحقك في قبرك. ستسأل عن كل شيء فعلته وكل شيء تيسر لك فعله فأهملته ستسأل عن مالك وستسأل عن وقتك وستسأل عن قوتك ونشاطك وشبابك بل ستسأل عن فكرك  وعن جوارحك { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } 
وهذا كله مما علمناه وآمنا به وبقي علينا أن نعمل وفقه قبل أن نرحل.
 علينا أن نقدم لأنفسنا أثرا قبل رحيلنا وأن نُبقي لنا أثرا يمدنا بعد رحيلنا، الآثار التي يمكن تقديمها كثيرة عديدة لا يمكن في هذا المقام حصرها، أهمها العلم، فبالعلم تعبد الله على بصيرة، وبالعلم يبقى الإسلام قويا، وبالعلم ينمو أثرا صنعته ليرفعك عاليا. 
وإن كان ثمة رأي أقدمه فالمشاركة مع المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد بالاستقطاع الشهري باثني عشر ريالا شهريا يدوم لك أثره، فقليل من سيحمد الله على أن هداه لصيانة ماله والانتفاع به في حياته وبعد رحيله. 
سنرحل وقبل الرحيل تفقد هاتفك وقلبك وكل ما يخصك فامح ما تكره أن يطلع عليه الناس ما دمت قادرا على المسح،
 تفقد مجتمعك فإن كان ثمة مظلمة منك فتبرأ منها، 
وقبل الرحيل تفقد دعواتك فإن كان ثمة ما يمنع عرضها على الله من مال لا يحل فتخلص منه فإن الله يقول ( ويل للمطففين ) ونبينا الحبيب يقول: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة. والله تعالى يقول { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً () الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } 
وقبل الرحيل استعد للقاء الله بكلمة طيبة وبصلاة محافظ عليها مرعي وقتها وسننها وبتلاوة كتاب ربك ما استطعت فكل آية تصعد بك وأحسن لوالديك يحسن لك أولادك ويحسّن الله حياتك ومقامك عنده وحين لقائك به جلّ وعلا. 
وقبل الختام أكثروا من الصلاة والسلام على نبيكم فهو ينتظرها منكم ليرد السلام عليكم وليصلي الله بها عليكم عشرا يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، وما أسعد من حظي بصلاة ربه عليه أي ثناؤه وبركته ورحمته ولن يثنى إلا على قريب محبوب مقبول نسأل الله أن نكون منهم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل