الأذان أمننا وأمانتنا
الحمد لله الملك العزيز الحكيم الرب البر الرحيم أشهد أن لا إله إلا هو الولي الحميد وأشهد ان محمد بن عبدالله نبيه ورسوله الهادي البشير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا الله وأطيعوه وراقبوه وإن لم تروه فتلك منزلة المحسنين الذين عبدوا الله كأنهم يرونه لعلمهم أنه يراهم ويطلع عليهم. يقول تعالى { قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ويقول سبحانه { وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }
فاتقوا الله عباد الله بمراقبة الله وبترقب أوقات شعائره فمن كان أمر ربه همٌ له فاز باهتمام الرب وعنايته به.
عباد الله عُرج بالنبي عليه الصلاة والسلام إلى السماء السابعة واستمع إلى الرب مباشرة ليأخذ الأمر بالصلاة ونزل جبريل عليه السلام ليعلمه كيف ومتى يصلي، وحافظ صلى الله عليه وسلم على الصلاة بالكيفية وفي الوقت كما تعلمه ونقل ذلك كله صحابته الكرام .
ولم يكن آنذاك ثمة نداء للصلاة فإما عطّلوا أعمالهم ترقبا للصلاة وإما أن تفوتهم صلاة الجماعة، فتناقشوا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام كيف نعالج هذه المصيبة؟
مصيبة فوات التبكير للصلاة
ومصيبة فوات صلاة الجماعة
فكان المقترح إيجاد منبه للصلاة، ولكن ما هو؟
اقترحت عدة منبهات مما لدى الأمم الأخرى، ولكنها رفضت لأن الإسلام دين الاستقلالية والتميز، فتفرقوا وكلٌ يحمل معه همّ التنبيه للصلاة خصوصا وقد رأوا اهتمام النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر،
وفي تلك الليلة رأى الصحابي عبدالله بن زيد بن عبد ربه في منامه رجلا يحمل ناقوسا فقال له: أتبيع هذا الناقوس؟ قال لما؟ قال ندعو به للصلاة، قال أفلا أدلك على ما هو خير؟ قلت بلى. قال وذكر الأذان بهذه الصيغة المعروفة ثم ذكر له صيغة الإقامة المعروفة فلما أصبح أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بلالا أن يأخذ صيغة الأذان من عبدالله بن زيد بن عبد ربه، وزيد في أذان الفجر الصلاة خير من النوم. واستمر الأذان والإقامة بصيغتهما المعروفة إلى يومنا الحاضر ولله الحمد،
فلا يجوز مخالفتها لأنها هي الصيغة التي كان يُؤذن بها بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى توفي وكذلك صحابته وأهل مكة والمدينة.
الأذان شعار أهل الإسلام ونداء المسلمين لميقات ربهم الذي وقته لهم،
الأذان صوت أحبه الله وأحب رفعه وأمر بالتفاعل معه والاستجابة له وأحب أهله المنادون به المرددون له مع رافعه المستجيبون له،
فالمنادي ينادي لخير عمل وعلى هذا فهو من خير مجتمعه،
والمنصت للأذان المردد له ينصت لقول ويردد قولا هو من خير القول،
ولحب الله تعالى لهذا النداء فقد أعد سبحانه للمؤذن أجرا عظيما، فهو أطول الناس عنقا يوم القيامة قيل من ارتفاع هامته بين الناس يوم المحشر حين إطلاع الله على عباده وتطلعهم لرحمته وقيل لا يلجمه العرق يوم يغرق الناس في عَرَقهم وقيل أطولهم إعناقا أي إسراعا للجنة، وله من المغفرة بعدد من سمع صوته وبحجم مسافة وصول صوته،
وعائشة رضي الله عنها في تفسيرها لقول الله تعالى { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } قالت ذاك المؤذن وتبعها جمع كبير من المفسرين.
ولما لا ينال هذا كله وهو الفائز بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: الإمامُ ضامِنٌ، والمُؤذنُ مُؤتَمَن، اللهمَ أَرشِدِ الأئمةَ، واغفِر للمؤذِّنين. } رواه أحمد وابن حبان وأبو داود والترمذي وصححه الألباني.
الإمام مسؤول ان تكون صلاته وصلاة من خلفه وفق السنة ويضمن الخلل إن وقع في ذلك،
والمؤذن مؤتمن على هذا الشعار الإسلامي ومؤتمن على الوقت،
والتفريط فيه والتساهل والعبث به يعد تفريطا في الأمانة.
وعبدالله بن زيد رضي الله عنه لم يعرف بشيء كما عُرف بانه سبب هذا الأذان بهذه الصيغة،
وبلال رضي الله عنه لم يُعرف بشيء كما عرف بالأذان، في دلالة بيّنة على عظمة هذا العمل، فالأذان عبادة عظيمة ترفع صاحبها وتمنحه الفضل في الدنيا وفي الآخرة إن كان من الصلحاء.
الحمد لله الملك المتعال العلي العظيم ذي الجلال والإكرام والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وقائد الغر المحجلين لجنات النعيم محمد بن عبدالله نبينا وسيدنا وحبيبنا وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين
وبعد عباد الله فمنذ عُرف الأذان وصُدح به ومرضى القلوب في كل زمان يكرهونه ويتأذون منه ويتربصون بأهله الدوائر، ولسنا في بدع من الأزمنة، وليس زماننا بأطهر من زمن النبوة والخلافة الراشدة فليس بغريب أن تعلو صيحات نشاز تندد بالأذان وتُعرّض بأهله يقول الله تعالى { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ }
فالنداء للصلاة مؤذي لمرضى القلوب وهم ليسوا ببعيد عن إمامهم الشيطان الرجيم الذي إذا سمع النداء بالصلاة ولى مدبرا رافعا كل صوت ممكن حتى لا يسمع صوت المؤذن، فالأذان طارد الشياطين ومقلق أتباعهم لأنه رمز الإسلام وشعار المسلمين،
وهذا يؤكد لنا أن من واجبنا نصر هذا الشعار والمحافظة عليه ورعاية أمانتنا فيه فنحن كلنا والمؤذنون خاصة مؤتمنون عليه،
وذلك لا يكون بالسب والشتم للمسيء فالله نهانا أن نسب الذين يدعون من دونه،
ولا بنقل رسائل منددة بالمعرّض المسيء وتسخر منه وتهزأ به فنحن على خلق نبينا عليه الصلاة والسلام الذي لم يكن فحاشا ولا متفحشا لا في قوله ولا في ردة فعله،
وردنا لا يكون بإزعاجنا للآخرين به فللبشر طاقة ولهم ظروفهم وهو إعلان وليس نفير فلا يصح أن يتعدى بواسطة مكبرات الصوت من حد التنبيه إلى حد الإزعاج ثم نكرّههم فيه وفيما دعا إليه.
واجبنا أن نجلّ الأذان وأن نقدره
وأن نسهم في علوه على كل صوت
وأن نظهر احترامنا له في مجالسنا ومع أسرنا ونعوّدهم احترامه وبالأخص أطفالنا، فلا نسمح لصوت حديث أو لهو أو جهاز لهو أن يصدنا عن سماع صوت المؤذن أو أن يشغلنا عن الترديد معه،
يجب أن نخفّض كل صوت
وأن نوقف كل نشاط ممكن إيقافه كي لا نشابه ذلك الشيطان الذي يتهرب من صوت الأذان،
وأن نعوّد أهل بيوتنا احترامه وإظهار الاحترام له،
وأن نتسابق إليه في رحلاتنا ونزهاتنا وعند تأخر مؤذن مسجدنا
يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا} متفق عليه. إذ أن عمل الجوارح هو مصداق ما في القلوب وكاشف حقيقتها.
يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ}
فالترديد مع المؤذن بالصيغة المعروفة يكاد يكون واجبا
ومن سمع وفاته الترديد لأي سبب فله أن يقضي ثم يدرك أي يبدأ من أول، بخلاف من لم يسمع إلا بعد فوات بعضه فيبدأ الترديد من لحظة سماعه،
وأما الإقامة فعامة أهل العلم لا يرون الترديد مع المؤذن فيها وأباحوا الكلام أثناءها واستحبوا المصافحة للمتلاقين حينها.
تعليقات
إرسال تعليق