بالذكر وبالصبر نتجاوز الصعاب والمصائب

الحمد لله الملك العزيز الحكيم يخفض ويرفع ويبسط ويقبض حكمة منه وعدلا وفضلا وهو الولي الحميد أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفوة خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
فلنتق الله ولينظر كلٌ منا ما قدم لغد، غدا يوم تتغير الدنيا علينا إلى ما نكره فلا يُسعفنا سوى التقوى التي تحفظ لنا رضا ربنا، 
غدا يوم نقف بين يدي ربنا فلا يسعفنا إلى ما قدمنا من صالح قول وعمل. 
عباد الله أيها المؤمنون قال ابن مسعود رضي الله عنه: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ. والله تعالى أخبرنا أنه رؤوف رحيم بنا يحب أن نعيش بخير وفي خير وأن يحفظ لنا سبحانه الخير، ولكنه سبحانه لا يبدل القول لديه وقد قضى في سننه الكونية أن ينزل بعض الشر ليميز الصالح منا من غيره. 
ومن رأفته سبحانه أنه وجّهنا لكيفية التعامل مع الأحداث التي نكره وكيف نتجاوزها بخير وذلك لا يستدعي سوى تهذيب مشاعرنا وإصلاح ما يصدر من جوارحنا. 
حديثنا اليوم حول نداء إلهي للمؤمنين فأرع له سمعك انتبه وركزّ فلعل الله أن ينفع به القائل والسامع. يقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } 
دعوة ربانية للاستعانة، والاستعانة لا تكون إلا على شيء ثقيل لا يُحتمل عادة، لا تستعين ببشر فالبشر قد يملون فيخذلون وقد يخدعون وقد يرفضون ولكن استعن بالصبر 
وهو خلق وطبع يدعو لثبات المبدأ مهما تغيرت المواقف أو تغير الناس، ثبات على المبدأ مهما دعت النفس لملاحقة التغير الفاسد واشتهته، 
واستعن بالصلاة فهي الصلة بالخالق جلّ وعلا بها تخرج من الدنيا وهمومها وفيها تناجي ربا بيده الأمر كله، 
رب يسمع لا يرد ولا يخذل ولا يملّ يرفع عنك الهمّ وييسر لك الحل ويحلل لك العوض عما فقدت، بالصلاة نستعين على كل ما نكره. 
{ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } 
ما فقدته أيها المؤمن وغاب عن عينيك وتألمت لفقده فلا تقل فقدته وضاع بل قل هو وخيرٌ منه ينتظرني وسألقاه في مكان ما وزمان ما هو خير لي ، وهذا شعور لا يشعر به إلا المؤمنون. 
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ () الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ }
 تأكيد إلهي باختبار إيماننا ومشاعرنا الإيمانية في أهم ركائز الحياة لينظر سبحانه كيف نعمل، لنكتشف بأنفسنا حقيقة إيماننا إن تأثرنا سلبا في إحدى هذه الأمور هل نستذكر قول ربنا { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } 
أي فساد إحدى تلك الركائز أو عدد منها أو تأثرها سلبا، هل نتذكر فيظهر الإيمان بمراجعتنا لأنفسنا وسرعة تعديل مسارنا ومجانبة ما كرهه سبحانه منا إلى حيث أمرنا ربنا، 
يظهر الإيمان في الاعتراف الصريح قلبا وقولا ومظهرا بأن الأمر كله لله، فتعلنها صريحة إن حدث ما تكره قائلا إنا لله وإنا إليه راجعون، كل شيء لله وبأمر الله ونحن جزء من ذلك الشيء كلنا لله وسنرجع لله فقد قدِمنا بأمر الله وسنرحل متى ما شاء الله وعلينا أن نعمل وفق ما أمر الله وأن نتمتع بما أباح لنا الله ، 
إن اعتقدنا هذا وظهر هذا المعتقد في مشاعرنا وألفاظنا وتصرفاتنا فلتكن البشارة ملازمة لنا نذكّر بها أنفسنا ونذكّر بها من نراه تألم لفقد أو لتأثر إحدى ركائز حياته، 
نذكّره بأننا لم نفقد ما أحبننا 
إن كان حبيبا فقد سبقنا لمكان هو أفضل لنا 
وإن كان مالا أو متاعا فقد انتهى دوره وسيأتي ما هو خير منه، 
لأن الواعد لنا هو ربنا وقد رضيناه ربا وهو أصدق القائلين لا يخلف وعده سبحانه سيؤتينا خيرا إن وفيّنا العهد الذي أخذه علينا، 
نذكّر بذلك أنفسنا وأحبتنا وحينها سيذكرنا ربنا مثنيا علينا وسيعوضنا برحمات لا تحصى { أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } جعلنا الله منهم وغفر لنا

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله 
ومن مظاهر ومشاعر الإيمان بالله التعامل مع المتأثرين بالأحداث المكروهة وذلك بالالتزام بقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيسْكُتْ} مسلم
حينما تنزل بالناس نازلة يكرهونها فأد أمانتك قل خيراً أو اسكت ففي سكوتك جواب، وجّه المشاعر لما يجلب رضا الله ويبعد سخطه، ذكّر بالله وبما أمر به الله، حين تنزل المصيبة ذكرّهم بالاسترجاع ففي الاسترجاع فتح باب لعوضٍ أكبر بخلاف التسخط والتذمر يَقُولُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا } مسلم
وجِّه لما وجَّه الله به وأثنى على أهله، وجّه للقول الذي يُهدّأ النفوس وينشر الطمأنينة ويزيل التوتر والقلق والاندفاع الخاطئ يمنة أو يسرة، 
فقد عاب سبحانه على بعض من لم يرض قسمة الغنائم وتذمر منها بقوله {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ } أي لكان خيرا لهم، 
ومدح سبحانه المؤمنين حينما أخبروا بعدو قادم ومصائب قادمة بقوله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ () فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } 
وجّه لذكر الله فبذكر الله تطمئن القلوب، 
ولا تستخف بالمكروهات فتقل تلك مصيبة وهذه لا ليست مصيبة، فإن كل مكروه هو مصيبة عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، فَانْقَطَعَ شِسْعُ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ- والشسع أحد سيور النعل الذي يدخل بين الأصبعين-، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ هَذَا الشِّسْعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: إِنَّهَا مُصِيبَةٌ.} الطبراني
فلا تخوّن من يعلن تذمره لما كرهه فتستعديه على وطنه لأنك لم تشعر بمعاناته فولاة الأمر لم يخونوه بل استمعوا له وعذروه وهم الأحرص على الوطن وسلامته ومستقبله، كما الأب حينما يمنع أسرته بعض متعهم لمصلحتهم. 
أحيوا الإيمان في النفوس بإحياء الذكر خاصة عند المصائب حينما يغلب الطيش أو يتشتت الفكر ويضيع العقل لمفاجأة ما نزل، وبالأخص حينما تلجوا مجالس مليئة بالتذمر والتسخط كمجالس برامج التواصل الاجتماعي. 
اعتنوا عباد الله بالصلاة واستعينوا بها فهي عون وتعودوا الصبر مهما تغير الناس وتغيرت الدنيا فالصبر أداة تحقيق الآمال والطموحات واعتنوا بأذكار الصباح والمساء بعد صلاة الفجر وصلاة العصر وأكثروا من الصلاة والسلام على من أحبكم وأحب الخير لكم وتمنى رؤيتكم ودعا لكم وادّخر دعائه لكم ورجا منكم أن تلزموا سنته      

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل