خطبة الجمعة 24/12/1438 الوطن أمانة

الحمد لله الولي الحميد الملك العزيز الحكيم هو الحكم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمد بن عبد الله عبدالله ورسوله ونبيه وخليله أرسله للعالمين معلما ومربيا بعثه هدى ورحمة وبشارة للبشرية جمعاء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا 
وبعد عباد الله فاتقوا الله فإن تقوى الله هي سر التميز بين العباد هي أداة القرب من المولى جلّ وعلا هي سبب مهم لتنزل رحمة الله واستحقاقها، فاتقوا الله يحببكم الله ويتفضل عليكم بمغفرة ذنوبكم وبرحمات تتنزل عليكم. عباد الله إن مما قضى به الله تعالى في هذه الحياة الدنيا هو التفاوت في المعيشة يقول سبحانه وتعالى { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ويقول جلّ شأنه { وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ } 
في المسجد النبوي حاليا يوجد ما يعرف بدكة الأغوات بناها العثمانيون على أنقاض الصُفة صُفة فقراء المدينة كان يجتمع فيها أكثر من سبعين رجلا من فقراء المهاجرين، أحيانا يمر بهم يوم كامل لا يذوقون طعاما وفي نفس الوقت وفي المدينة كان هناك من يعيش في رخاء ورغد وترف بين أشجار النخيل والعنب، ولم يطالب الفقراءُ حكومتهم ولا أغنياءهم أن يجدوا لهم حلا بل إن بعضهم كان يود المشاركة في غزوة تبوك فتفيض أعينهم دمعا أن لا يجدوا ما ينفقون ولا يجد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يركبون. لم يُحمَّلُوا ما لا يملكون ولم يُحمِّلوا غيرهم آثار الابتلاء الذي حلّ بهم، فالتساوي في المعيشة مستحيل في هذه الدنيا، وتحمّل البعض مسئولية فقر البعض الآخر غير صحيح. 
ومن لا يملك أسباب الرغد والترف ثم يحاول أن يحاكي حياة من يملك الأسباب فإنما يوهم نفسه ويهلكها ويهلك أسرته معه، هذا التفاوت ليميز الله الصابرين من غيرهم، 
الصابرون يدركون أن الظرف القاسي طارئ ولابد له من ارتحال، 
وغير الصابرين ليأسهم ولانغلاق الطرق أمامهم فهم متوترون يُوتِرون غيرهم وسيصابون في صميم فؤادهم حسرة وألما وسيعظم الفقد عليهم لأنهم فقدوا الصبر. 
التسخط من الحال ضد الصبر ومهين للكرامة الإنسانية ومُنقص للإيمان مُربكٌ للحياة داع للتعلق بغير الله، أما الصبر والرضا بالقضاء والقدر فهو سمة المؤمنين وعنوان عزتهم وطريق فلاحهم وهو لا يعني الاستسلام للحال الصعبة المؤذية بل يعني الشكوى لمن بيده سببا للحل وهو الله تعالى ثم من لديه رأي وقدرة على المساعدة. 
الصبر والرضا يعني البحث عن حل بعيد عن الاتكال، بعيد عن نشر التوتر بين الناس بعيد عن التبرير بالعجز وقلة الحيلة بعيد عن تحميل الآخرين مسئولية تقصيرهم وتخلفهم عن الركب بعيد عن بث الهموم لكل أحد، إذ أن كثرة بث الهمّ تُشتت الفكر وتوتر النفس وتوقف العمل أو تفسده وتفتح بابا للشيطان للدخول إلى الحياة الخاصة وإفسادها،
 ويقوم بدور الشيطان بل هو الشيطان نفسه قوى الشر السياسية والإعلامية فهما قرينان لا ينفصلان وهما شياطين متجمعة،
 يتلونون بكل لباس ولسان، يأتون لكل فرد في هيئة يرضاها ويراها هي المُخلّص، يلبسون لباس المحب المشفق مريد الخير 
فيتخذون من إثارة الهموم وترديد المواجع مطية لإثارة التوتر ولنشر القلق ولإفساد الناس على بعضهم، يخاطبون الفقراء ومتوسطي الدخل عن تلاعب في المال العام سواء أكان حديثا مفترى أو حقا، يظهرون لهم صورا من ترف الأغنياء وحياتهم الباذخة ليُحقّروا في أعينهم عيشة أهلهم فيطمعوا في غير ما هو حق لهم، 
يأتون للبسطاء الذين تبدو عليهم غيرة دينية فيحدثونهم عن فساد العلماء والتبديل والتغيير الذي أحدثوه أو يحاولون إحداثه إرضاء للسلطة أو للغرب وغيرهم، ليوغروا صدورهم وليصنعوا الفرقة بينهم وبين علمائهم وحكامهم فيفسدوا عليهم دينهم ودنياهم ويحلوهم دار البوار،
 يأتون لبسطاء التفكير فيفترون صورا وأخبارا عن تعذيب المسلمين هنا وهناك ليثيروا غيرتهم ويحملوهم مسئولية السكوت عن ما يحدث لإخوانهم علهم يتهورا فيرتكبوا خطيئة تتحمل آثارها مجتمعاتهم وحكوماتهم . حفظنا الله من شر الأشرار ومن كيد الفجار أقول



الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه أحمده سبحانه واشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي واسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله

 فإن مما مدح الله تعالى به خليله إبراهيم عليه السلام ومن معه مدحهم بدعائهم { رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } يخافون من أن يكونوا فتنة للذين كفروا بأن يتسلطوا عليهم فيحدثوا تغييرا في قيمهم ومبادئهم أو أن ينزل بهم عذاب ما فيفتن الذين كفروا عن الدين بحجة أن لو كان هؤلاء على صراط مستقيم ما نزل بهم العذاب، فلنكثر من الدعاء ألا يجعل ربنا فتنة للذين كفروا. نحن اليوم نتعرض لفتنة عظيمة في ديننا وقيمنا كي نكون بلا قيمة. 
بفضل الله تعالى فإن بلادنا المملكة العربية السعودية هي البلد الوحيد في هذا العالم الذي لا يسمح بوجود تعبد علني لغير الله تعالى وكفى بذلك فضلا، ولذلك فالله يدافع عنها ويتفضل عليها ويحرم الفتنة بين أهلها { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ () الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} ولا معروف اولى من التوحيد ولا منكر أعظم من الشرك ولا منكر أولى بالإنكار منه. ولا وعدٌ إلهي بالخير كما الوعد على التوحيد ومحاربة الشرك { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 
نتعرض في هذا الزمان بصورة غير مسبوقة لفتنة إيغار الصدور على القيادة السياسية والقيادة الدينية بحجج واهية تنقضها وتردها نصوص كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمْ الْحِجَارَةَ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ، فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ} أبو داود وأحمد وابن حبان، وعن المقدادِ بن الأسود، قال: أيمُ الله، لقد سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم يقول: إن السعيدَ لَمَن جُنِّبَ الفِتَنَ، إنَّ السعيدَ لَمَن جُنِّبَ الفِتَنَ، إن السعيدَ لَمَن جُنِّبَ الفِتَنَ، ولَمَن ابتُلِيَ فَصَبَرَ فواهاً} أبو داود وصححه الألباني. 
وكلمة فواها تتضمن التلهف على مثل هذه الحال أي الصبر في الفتن لا ينساق معها ولا يشارك فيها ولا في إذكائها فهو ثابت لم تتغير مبادئه وقيمه، 
وإن من أقواس الفتن اليوم برامج التواصل الاجتماعي لا أقول حاربوها ولكن حققوا السنة والشريعة واحفظوا الوطن بها ومن خلالها حاربوا من يريد ان يحل بنا الخراب والبوار حاربوا من يريدنا أن نخرج على حاكمنا علّه ان يكون هو الحاكم علينا حاربوا من يريدنا ان نترك قيمنا ومبادئنا إلى قيمه ومبادئه الفاسدة أو إلى أن نكون بلا قيم ولا مبادئ. 
الوطن أمانة أداؤها يبدأ بنصيحة وبكف عن الفتنة عن أبي هريرة، عن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم صلَّى الله عليه وسلم قال: ويْل لِلعَربِ مِن شرٍّ قد اقتربَ، أفلحَ من كفَّ يَدَهُ} أبو داود وأحمد وصححه الألباني.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل