خطبة عيد الأضحى المبارك 1438

السعداء سَعِدوا وسُعدوا
إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام
كيف أمّن إبراهيم عليه السلام أمن ومستقبل اسرته
الجناية على الآخرين جريمة وأعظم منها الجناية على النفس
دمك ومالك وعرضك أولى باهتمامك
الطُعم المجاني لا يوجد إلا في المصيدة
يوم الجمعة ويوم العيد
دع الأمل والدعاء يتجددان في حياتك مع تجدد الليل والنهار
برامج التواصل مجالس عامة واقواس رمي لمحاربة الدين والوطن

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، الحمد لله عدد ما خلق وذرأ وبرى، الحمد لله حتى يرضى وبعد الرضى، الحمد لله أبلغ حمدٍ وأزكاه حمداً يبلغ بنا الرضى وغاية المنى ، حمداً وشكرا للمولى رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، 
إليه وإلى مرضاته تهافت المؤمنون، وبرحماته وبفضله وبضحكه وبفرحه وبقبوله وبإقباله فاز السعداء وسَعِدوا وسُعدوا، 
وأشهد أن نبينا وسيدنا محمد بن عبدالله عبد الله ورسوله أكرم الخلق وأزكاهم وأعلمهم بمولاه واتقاهم وأبلغهم بالمؤمنين رأفة ورحمة وتلطفا ورفقا هو الأسوة، من لزم سنته وتخلق بخلقه عاش سعيداً كريماً عزيزاً ومات آمناً مُبَشراً فرحاً مسروراً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وسائر أتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. 
وبعد عباد الله فها قد لبى المسلمون نداء ربهم فتهافتوا إلى ما يحب من قول وعمل، ممن حج أو بقي في مقر إقامته، تطلعوا لآثار نبيهم فتتبعوها علّهم أن يفوزوا بما وعدهم به ربهم وبما أعدّ لهم. 
عباد الله أيامنا هذه عامرة بالخيرات والمسرات، هي مشاعر وشعائر خطها سيدان عظيمان أخذا منهجهما من الخالق جلّ وعلا هما نبيا الله وخليلاه إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، نتذكرهما ونتذكر آثارهما في هذه الحياة. 
إبراهيم عليه السلام مع ولده إسماعيل يبنيان الكعبة المشرفة في ظروف عسيرة موارد محدودة ولا معين لهما ثم يقولان ربنا تقبل منا، الله أكبر قربة في مشقة ثم يخافان أن لا يقبل منهما ما قدما فيتوسلا لله أن يقبل منهما، 
إبراهيم عليه السلام يرى أن أسرته الصغيرة قد استقرت في مكة وأمِنت فحصّن عيشها وأمنها بأمور ثلاثة: أولها اجتناب الشرك { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ } 
فالشرك هو الإساءة العظمى للعلاقة بين العبد وخالقه هو ما نزه الله تعالى نفسه عنه وحذّر عباده منه ولأجل طهارة البشرية منه جاءت الرسل والدعاة، الشرك جناية من العبد على نفسه إن أوقع نفسه فيها صار في الدنيا مذموما مخذولا وفي الآخرة في جهنم ملوما مدحورا، ومن اجتنب الشرك حاز الوعد بالأمن والتمكين والرخاء. 
ثم حصّن عليه السلام أمن أسرته واستدرج لها رغد العيش بالصلاة فكان من دعائه {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء} حتى عُرِف ابنه إسماعيل بانه يأمر بالصلاة فكانت الصلاة عنونا لأسرته فالصلاة عنوان الشكر وجالبة الجَدّ أي الحظ والرزق وبحسب ما تعطيها تعطيك. 
وثالثا حصن أسرته بالدعاء سرا وجهرا أثناء العمل الصالح وبعده، 
ولذا نجد من نبينا صلى الله عليه وسلم لزوما وعناية واهتماما بالغا بهذه الأسس الثلاث التوحيد والصلاة والدعاء في دليل على أهميتها وقوة أثرها. فحصّنوا عباد الله أسركم ووطنكم بها وأمّنوا مستقبلكم ومستقبل ذرياتكم من خلالها. 
عباد الله إن المتأمل في كتاب الله تعالى ليجد عناية إلهية بحماية الناس ورعاية مصالحهم ويجد تحذيرا شديدا من الجناية على الآخرين ومن ذلك قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً } 
أذية بأي نوع وشكل في دمائهم أوفي أموالهم بيعا لهم أو شراء منهم أو أذية في وظائفهم وأرزاقهم أو في أعراضهم غيبة لهم ونميمة عليهم أو أذية لهم في طرقاتهم وغيرها، ولهذا كانت أبرز وصايا الوداع من الحبيب عليه الصلاة والسلام قوله { فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا } 
عباد الله ولئن عظم أمر الإساءة للآخرين فإن الإساءة للنفس أشد جرما، فأموالك ودمك وعرضك أولى برعايتك واهتمامك احذر التهور في القيادة وتجنب المتهورين، تجنب المخاطر داخل المنزل وخارجه مهما رأيت يسر الأمر وبعد خطره، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ فَحُدِّثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَأْنِهِمْ فَقَالَ إِنَّمَا هَذِهِ النَّارُ عَدُوٌّ لَكُمْ فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ} والأجهزة الكهربائية وشواحن الهواتف لا تقل خطرا فارع سلامة بيتك ونفسك وأسرتك. صن مالك لا تُبذر ولا تُقتر فالله تعالى يقول { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً } 
احذر الأسواق والباعة الذين لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمة احذر عروض التخفيضات فإن الطعم المجاني لا يوجد إلا في المصيدة وما كان بلا ثمن تدفعه فأنت ثمنه، ارع عرضك فتجنب المجالس التي تسيء لك ويشينك المرور بها فضلا عن الجلوس فيها ، احذر الملابس التي لا تليق بك ولا بأهل بيتك، احذر كل مشهد ومظهر يجلب لك سوء ظن الناس بك فمن يخالط الريبة يوشك أن يجسر كما في الحديث 
 الله أكبر الله أكبر ولله الحمد حمدا لله تعالى منّ علينا بهذا اليوم العظيم ومنّ علينا بالتمكين لحضور صلاة العيد فكم ممن كره الله انبعاثهم للصلاة وحضور مجالس الذكر وكم ممن لم يرد الله أن يطهر قلوبهم فوكلهم لأنفسهم ولم يعنهم فحمدا لله هدايته وشكرا له سبحانه إعانته ونسأله من فضله ان نكون ممن رضيهم ورضي عنهم وقبلهم وتقبل منهم وغفر لهم أستغفر الله لي ولكم

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على المبعوث رحمة وبشرى وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
فيوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس كما في الحديث فكيف وقد صادف خيرُ يومِ أعظمَ يومٍ يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ} فاليوم هو خير وأعظم يوم. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ قَدْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ } ومن القرب العظيمة في هذا اليوم العظيم أن يتقرب المسلم لربه بحضور صلاتين عظيمتين العيد والجمعة، ومن أراد الاكتفاء بصلاة العيد فقد نصت لجنة الافتاء على أن صلاة الظهر لا تسقط عنه، فعليه أن يصليها في مقره. 
عباد الله إن من أعظم القرب لله تعالى في هذا اليوم عبادة النحر هي عبادة عظيمة يُعلن فيها التوحيد لله تعالى كما أعلنه إبراهيم عليه السلام حينما أُمِر بذبح ابنه، يُتقرب إلى الله تعالى بثمنها وبكل أجزائها، ومن آداب القرب طيب النفس بها وطيب العمل معها وتعظيمها فما يتم تجاه الأضحية اليوم يدل على مدى تعظيم الله وتعظيم شعائره { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } ويقول سبحانه {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ومن شكر الله وتقواه الأكل منها والإهداء والصدقة، وجمعية سواعد المستودع الخيري يعننا على ذلك، الأضحية سبيل تقوى { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } 
عباد الله يعقوب عليه السلام فقد ولده الصغير فسأل الله له الحفظ وأن يعيده ولحسن ظنه بربه ظل متعلقا بهذا الأمل لسنوات طوال حتى حقق الله له طلبه، وأيوب عليه السلام ابتلي بالبلاء لسنوات طوال فقد فيها كل شيء إلا زوجته فصبر ودعا حتى فرّج الله عنه وعوّضه بما لم يخطر له ببال، وهكذا كل من نزل به ضيق أو حلت به كربة أو خاف مستقبلا أسود عليه أن يحسن الظن بربه فلا ييأس وعليه أن يُبقي الأمل بالأفضل والدعاء الصادق يتجددان في حياته مع تجدد الليل والنهار فالعاقبة للمتقين وليست للمتذمرين الذين هم وباء على أسرهم وعلى مجتمعهم واعلموا أن { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } 
عباد الله ديننا يواجه حملة شرسة كأشد ما تكون الحملات ضراوة وبطشا ووطننا اليوم هو القلب النابض لهذا الدين وإليه توجه سهام العدو يطلقها الغريب والقريب قصدا وجهلا فاحذر رعاك الله برامج التواصل فإنها من أقواس الرمي لتلك الأسهم لا تهيئها لهم ولا تشاركهم الرمي بها واعلم أن نيتك ومقصدك الطيب لا يبرران خطأك وجنايتك فيما ترسل حتى وإن ختمت رسالتك بمقولة منقول أو كما وصلني والعلم عند الله، فما ترسله من جرم فأنت شريك الجريمة مهما كان قصدك، ورسالتك هذه قد تكون هي ما يوبق دنياك وأخراك، ولقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين بانهم هدوا إلى الطيب من القول فانتقوا طيب الكلام وأعرضوا عن رديئه، واعلموا أن مشاركة الناس في برامج التواصل خير من اعتزالها فهي مجلس من المجالس العامة يرد فيها ما يرد في غيرها وهي بحاجة للعقلاء يصححون ويوجهون ويردعون والنبي صلى الله عليه وسلم يقول { الْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ }. 
عباد الله حصّنوا الوطن بالتوحيد وبإقامة الصلاة وبالدعاء سرا وجهرا، ارعوا دماءكم وأموالكم وأعراضكم فصونوها واحفظوها ولا تسيئوا لها بالورود موارد الإساءة والخطر، أحسنوا إلى أضحيتكم اليوم فالله قد كتب الإحسان على كل شيء واحرصوا على صلاة الجمعة فتلك قربة والقربة تعظم بعظم النصب إليها وفيها. وأكثروا من الذكر تهليلا وتكبيرا وتسبيحا وتحميدا عقب كل فريضة وفي كل لحظة حتى نهاية أيام التشريق، وتوسلوا إلى الله بقبول أعمالكم.  
ختاما أسال الله تعالى لي ولكم ولوالدينا وأزواجنا وذرياتنا وسائر أحبابنا أن نكون ممن قال الله فيهم { يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ () الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ () ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ () يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ () وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ () لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ } اللهم يا رحمن يا رحيم احفظ الحجاج والطف بهم وأعن القائمين على أمنهم وخدمتهم ووفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه واجعله وولي عهد رحمة منك لنا وعلينا وانصر بهما الإسلام والمسلمين وانصر قواتنا المسلحة المناصرة لإخواننا والمرابطة على حدودنا واحفظ وأعن كل قائم على أمننا ، تقبلنا ربنا وتقبل منا واجعلنا متقبلين بعضنا محبين لبعضنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم وأعد العيد علينا ونحن في أمن وإيمان وصحة وعافية وسلامة ورغد عيش يا ذا الجلال والإكرام وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل