خطبة الجمعة : التقرب إلى الله بتعظيم واستغلال الأشهر الحرم
الحمد لله العلي العظيم العزيز الحكيم نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبدالله ورسوله وإمام أنبيائه ورسوله وصفوة خلقه الهادي البشير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه مهتديا بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فاتقوا لله، ولا تكونوا كمن ذمهم الله بقوله وما قدروا الله حق قدره، عظّموا ما عظّمه الله وحاذروا مما كرهه الله، اجعلوا بينكم وبين غضب الله وسخطه ومقته وعقوبته وقاية،
تأملوا فيما أخبر الله تعالى عن نفسه أنه يحبه أو أخبر نبي الله وخليله محمد صلى الله عليه وسلم أن الله يحبه فحاولوا التزامه، وحاذروا مما علمتم كره الله له ومقته،
واعلموا عباد الله أن السير في الحياة كالسير في طريقٍ كثيرِ الأذى يحتاج لانتباه ويقظة ويحتاج لضبط المسار بين فينة وأخرى، ولكثرة الأذى في الطريق فلابد من وقوع في الأذى ولابد من انحراف عن الجادة مهما تحرز السائر، ولكن المؤمن بوعيه وعقله وإدراكه وخشيته من ربه سرعان ما ينتبه ويعود لمساره الصحيح ليعيش في ظل شريعة ربه وليحيا في رضا من ربه ولتحفه السعادة التي ينشئها يقينه باختيار الله له، فيُكفر عنه ذلك الانحراف وذلك الوقوع في الأذى فيطهر وكأن لم يكن شيئا.
عباد الله إن مما عظّمه الله تعالى ونصّ على تعظيمه له وبيّن جلّ جلاله أنه اختياره وقضاؤه سبحانه هو تقسيم الزمن يقول تبارك وتعالى { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }
وهذا تنبيه لضرورة الانتباه للمنصوص عليه وتأكيد على وجوب تعظيمه والتذكير به. السَنَةُ بقضاء الله وحكمه وحكمته اثنى عشر شهرا وقد سبق هذه الآية قوله تعالى { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ () يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ }
فبمضي هذه الأشهر الاثنا عشر تحل الزكاة في الأموال النقدية والذهب والفضة وفي كل اثني عشر شهر يتكرر موسم عبادة ما كحج وصوم وجمعة وغيرها فيجب إيلاء كل موسم ما يناسبه من عناية وتعظيم ورعاية لوقته، من هذه الأشهر أشهر أربعة حرم يحرم فيها الابتداء بالسوء أكثر مما يحرم في غيرها.
ولأن هذا الاختيار هو قضاء إلهي فإنه لا مجال فيه للاختيار ولا للتبديل،
هو قضاء جاءت به شريعة الخليل إبراهيم عليه السلام وتعارفت عليه الأمم من بعده وكان من أعظم الذنب عند العرب قبل الإسلام أخذ الثأر في الشهر الحرام وأعظم منه جرما البدء بالقتال أو القيام بالسرقة فيها، ولكن العرب انحرفوا فغيّروا في هذه الأشهر وفق مصالحهم وأهوائهم،
ولعظم جنايتهم فإن من أول ما أعلنه النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حينما استقر الأمر والحكم للإسلام حجة الوداع التي كان فيها ختام التشريع، هو إعلان عودة الاعتبار للأشهر الحرم وفق اختيار الله وقضائه حيث قال صلى الله عليه وسلم { إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ} متفق عليه.
فعادت الأشهر الحرم لما كانت عليه زمن الخليل عليه السلام كما عادت بفضل الله لجزيرة العرب ديانتها الحنيفية السمحة ملة إبراهيم { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }.
فللأشهر الحرم خصوصيتها وحرمتها وقد نصّ كثير من أهل العلم على خطورة الآثام فيها أكثر من غيرها. وفرق بين أشهر الحج والأشهر الحرم فالأشهر الحرم كما بينها الحديث وأشهر الحج شوال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة بارك الله لنا في أعمارنا ومواسمنا وجعلنا هداة
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه والشكر له سبحانه أن هدانا لدينه الذي ارتضاه وجعلنا من أتباع خيرة خلقه ومصطفاه محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد عباد الله فإن في قول الله تعالى بعد ذكره لهذه الأشهر { فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }
تنبيه على خطورة المعاصي والآثام في هذه الأشهر فهي زمان له خصوصيته كما لرمضان خصوصيته وكما للمساجد الثلاثة خصوصيتها،
والسيئة في هذه الشهر تَعظُم أثرا ولكن لا تضاعف عددا. يحرم دوما وبالأخص في الأشهر الحرم الاعتداء على الآخرين في دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم اللهم إلا أن يكون عدوا متربصا أو صائلا خارجا نرى منه الاستعداد وتحين الفرص للاعتداء فيقاتل ولا يتاح له مجال للاستعداد والإعداد فإن النبي صلى الله عليه وسلم غزا الطائف في الأشهر الحرم وعقد مبايعة الرضوان في الشهر الحرام كل ذلك لما علم باستعداد العدو للاعتداء فبادرهم ردا لكيدهم، والله تعالى يقول وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، بمعنى إذا لم يعتبروا للأشهر الحرم اعتبارها فلا تتيحوا لهم مجالا لما يريدون حتى ولو اضطررتم لقتالهم في الأشهر الحرم.
ولكن لأننا نعيش في أمن وأمان بحمد الله ولسنا معنيين بأمر المعتدين فإن البعض قد يغفل عن أهمية الأشهر الحرم فيعتدي على غيره في دم أو مال أو عرض كما يحدث في غيرها من الأشهر،
يعتدي على أموالهم بالجشع واستغلال حاجتهم والكذب في تسويق السلع عليهم
ويعتدي على دمائهم استهتارا في قيادة السيارة وعدم احترام أنظمة المرور المعنية بالسلامة للجميع
والاعتداء الأخطر أثرا والأسهل والأكثر وقوعا فيه هو الاعتداء على الأعراض سبا وشتما خصوصا مع توترات الحياة وبعض الضغوطات التي تمر بالبعض ومع الموسم الرياضي وسيطرة التعصب وحماس التشجيع فيتجرأ على السب والشتم أو على الغيبة والنميمة.
الأشهر الحرم مناسبة عظيمة وفرصة فريدة لتعويد النفس على الانضباط وكبح جماح الغضب واحترام خصوصية الآخرين
في حجة الوداع قال عليه الصلاة والسلام : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا}
والله تعالى يقول { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }
ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ} البخاري.
فلنتق الله عباد الله ولنكن عونا لبعضنا على توقي سخط الله وعلى كسب رضاه ولنعظّم ما عظّمه الله من زمان ومكان ومن قول وعمل، وإن أوقعتنا أحداث الحياة في شيء من ذلك الأذى فنلكن عونا لبعضنا في الرجوع نحو الهدى والمنهج المرتضى لنتق الله ولنراقبه ولنتقرب إليه بالتزام سنة نبيه وبكثرة الصلاة والسلام على حبيبه وخليله محمد.
تعليقات
إرسال تعليق