خطبة الجمعة بالحب نكن خير المجتمعات البشرية

الحمد لله الملك البر الرحيم خلق الخلق فرحمهم، دعاهم للهدى وأحب المهتدين منهم، محّص قلوب العباد فاختار وأحب أصدقهم وأسلمهم قلبا، أحبهم فأحبهم من خالطهم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله لا طريق لحبِ لله ولا حبٌ من الله إلا بحبه واتباعه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه محبا له ولسنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله. 
فإن وصية الله هي العناية بتقواه فمن اتقى الله سعُدَ في دنياه وأخراه، من اتقى الله أحبه الله وأحبه خيار خلق الله وحماه الله من كل ما يكره ويسر له كل خير يتمناه يقول الله تعالى { وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } 
عباد الله إن خير حال يمكن أن تكون عليه المجتمعات البشرية هي تلك الحال التي وصفها الله تعالى بقوله { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } وإن كنا نطمع أن نكون منهم ومعهم فلنتخلق بما يلحق بهم مما يزيل الغِلَّ منا وعنا وذلك باتخاذ وسائل المحبة خلقا لنا، فالحب هو أهمّ أسباب دخول الجنة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ} مسلم
الحُب تلك المشاعر الجياشة التي تصدر من قلب سليم لا يحمل الحقد ولا الغل ولا الكراهية ولا يضمر الكذب والغدر، 
قلبٌ يفرح للخير ينزل بغيره 
قلبٌ يفرح بالخير لعلمه أنه رحمة من ربه تنزلت ، 
قلبٌ يفرح لأن أخاه انتفع بخير أعطاه الله إياه، 
ومن فرح لأخيه بادله الله تعالى بذلك الفرح فرحا أفضل منه، ومن فرح الله به وله فلا تسل عن حظه.
ويا ترى أو يفرح الله تعالى؟ أو يبادل الله عباده المشاعر؟ 
نعم وبقوة أيضا، تذكر حديث لله أشد فرحا بتوبة أحدكم وحديث من أتاني يمشي أتيته هرولة. وحديث عيادة المريض وإطعام المحتاج. 
إن ما يحمله المسلم في قلبه سيجده عند الله إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، وما يُنزله في قلوب الآخرين سيجده عند ربه كذلك، وما عُمِرَت القلوب بمثل الحب والود وصدق المشاعر تجاه الآخرين. 
وأول رسل الحب بين العباد هو السلام { أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ} 
بالسلام إن صدقت القلوب ستزول كل الحواجز التي بنيت من خلال غيبة ونميمة وخواطر شيطانية. إذ أن من معاني السلام التحية والتسليم والبراءة من العيوب والأمان والصلح. 
السلام هو تحية الملائكة لآدم وهو تحية المؤمنين لبعضهم البعض في جنات النعيم، هو لفظةٌ جالبةٌ للحسناتٍ ففيها ثلاثون حسنة كاملة، وبالمصافحة مع السلام تتحات الخطايا والآثام عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ، إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا} أحمد وابن ماجة وصححه الألباني 
ولا تشرع مصافحة جميع من في المجلس بل يتصافح المتلاقيان والمتجاوران والمتعارفون في المجلس، قال النووي المصافحة سُنّةٌ مجمع عليها عند التلاقي.  
ومصافحة المصليين لبعضهما حين وقوفهما عند إقامة الصلاة مستحبة فهي مصافحة متلاقيان كما نص على ذلك بعض أهل العلم، وأما العناق فهو خاص بالقادم من السفر فلا تشرع المعانقة عند كل لقاء ولا في عزاء بل يكتفى بالمصافحة بالأيدي، 
وكذا لا يشرع السلام في مجالس العلم والذكر، فعلى القادم للمجلس أن يجلس بدون صوت حتى لا يقطع الحديث. 
ويحرم ردّ السلام بغير لفظ السلام يقول الله تعالى { وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً } ولا شيء أفضل من السلام وانتبه فالله على كل شيء حسيبا. 
وإن جمعت مع السلام ابتسامة مشرقة فقد جمعت الحسنين صدقةُ وحتُ خطايا، وهما من أيسر وأرخص وأهم وأوسع أبواب الجنة. 
جعلنا الله هداة مهتدين إخوة متحابين سالمين مسلمين وغفر لنا ولوالدينا وأحبتنا أجمعين

الحمد لله رب العالمين غافر الذنب وقابل التوب محب التوابين ومحب الصادقين ومحب المخبتين والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبدالله جعل كلمة الحب وسيلته لقلوب أحبته وللود والرحمة والأفة تعمر بيته ومجلسه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وكل من أحب سنة نبيه واتّبعها وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
 فالسلام والمصافحة وردّ السلام بالسلام والابتسامة رسل من رسل الحب والوئام ولها رفقة درب نحو القلوب لا تقاوم، 
منها الهدية فإن قوة أثرها في قلب الصغير والكبير والحاكم والمحكوم مما يعرفه الناس بالفطرة ولا يحتاج لاستدلال، وإن مما عرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل الهدية حتى من الكفار إلا أن يتوجس أن وراءها مطمعا في الإساءة للإسلام أو أن تكون هدية محرمة كالذي أهداه صيدا وهو محرم، وغضب ممن أخذ هدية أهديت له بسبب عمله لم يؤذن له بها، أما غير ذلك فكان عليه الصلاة والسلام يُهدي ويقبل الهدية ويحث على التهادي ولو بالقليل لما فيها من التحبب وجذب القلوب، وكان يقبل الهدية ويرد للمهدي أفضل مما أهدى مكافأة له ومبادلة للمشاعر الجياشة الصادقة عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا} البخاري
وقيل ما أهدى مسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة تزيده هدى أو ترده عن ردى. 
وثمة رسول آخر من رسل الحب بين العباد ألا وهو إجابة الدعوة فهي حق من حقوق المسلم ومؤكد على أدائها تأكيدا بالغا يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ} مسلم. وقد نص أهل العلم على أن صوم النافلة ليس مبررا لترك إجابة الدعوة، واستحبوا للصائم نفلا أن يفطر وأن يأكل من طعام أخيه فإن في ذلك تكرمة له وإدخالا للسرور على قلبه. فإجابة الدعوة واجبة والأكل مستحب. 
هذه الأعمال السلام والردُّ بالسلام والابتسامة والمصافحة والهدية وإجابة الدعوة، هي من وسائل صناعة الحب بين العباد وهي أدوات تحقيق خير المجتمعات البشرية، إن تعذر على المجتمع كاملا الاتصاف بها فلا أقل من أن نكون نحن أهلها ما استطعنا علّنا نكون ممن قال الله تعالى عنهم { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } 
فالحب أفعال وليس مجرد ألفاظ قد تكون جوفاء خالية يغرر بها وإن كان لا يستغنى عن ألفاظ الحب لقوة أثرها، ولنعذر بعضنا في عدم سماع ألفاظ الحب التي قد يتعذر النطق بها بسبب التربية والبيئة ولنستشف حبهم لنا في ما يصدر منهم من أفعال تجاهنا تكشف عن مدى الرحمة والود والتقدير والاحترام الذي تكنه قلوبهم لنا فهي تغني عن كثير من الكلام. 
ثم اعلموا أن صادق الحب لله تعالى إنما يكون بصدق اتباع خير رسل الله وبكثرة الصلاة والسلام على رسول الله كما حثّ ووصى وعلّم عليه أفضل الصلاة والسلام

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل