خطبة الجمعة أدوات لتطوير الذات وتهذيبها

الحمد لله رب السموات ورب الأرض رب العالمين الملك المتعال العظيم المتفضل برحمته وبكرمه وبمنّه وبفضله العميم أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له الرحمن الرحيم وأشهد ان محمد عبده ورسوله النبي الأمي سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
فلقد وصّاكم الله سبحانه حبا منه لكم بما يقربكم ويرفع شانكم ويصلح أحوالكم، 
وصّاكم سبحانه باستشعاركم لقربه منكم واطلاعه عليكم، 
فبهذا الاستشعار ستعانون على التقوى وسيتيسر لكم الإكثار من صلة الله وذكره، وكلما اتصلتم بالله وصلكم، وكلما ذكرتموه كسبتم ذكره لكم، وكلما أقبلتم إليه أقبل إليكم، وإن ذكركم سبحانه وأقبل إليكم وصلكم فلا خوف عليكم. 
عباد الله لقد خُلِق الإنسان في تركيبة عجيبة فهو ضعيف وهو عَجِلٌ هو هلوعٌ جزوعٌ، مخلوقٌ في كبدٍ وتعبٍ ونصبٍ، مخلوقٌ عجيب يرى الناسَ من حوله يرحلون فيظن نفسه استثناء لن يمر به ما مرّ بغيره، من عجائب هذا المخلوق أنه ينسى ما هو فيه همّا وانشغالا بما لم يأته أو خوفا  أن يفوته ما لم يكتب له، يتطلع للمستقبل بوجلٍ وقلقٍ حارماً نفسه من نعيم حاضرٍ ، نعيم وجود أسرته ونعيم صحته ونعيم فراغه. فهو محروم لأنه قلق مضطرب دنيٌ دنيوي إلا أن يهذب نفسه ويرتقي بها ويطور من طبعها ليكون إنسانا مُمّيّزاً وليس ثمة سبيل لذلك سوى أن يُعلقَ نفسه بخالقها جلّ وعلا { إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً () إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً () وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً()إِلَّا الْمُصَلِّينَ } 
أمور أربعة من خلالها يُعلّق المسلم نفسه بخالقه ويهذّب نفسه ويطورها أولها: 
الصلاة بها سيهذب المسلم من نفسه وسيطورها وسيعيش في نعيم معها، إذ بالصلاة يقبل الخالق جلّ وعلا لينظر بنفسه المقدسة ماذا يريد مخلوقه هذا الذي قام يصلي وماذا يتمنى وأي شيء يرجو ليهبه له. أدرك هذا النبيون فإبراهيم عليه السلام يترك أسرته الصغيرة زوجته وطفله في مكان هو الوحشة هو القحط هو الفقر والخوف والجوع بأبشع صورها ثم يناجي ربه ليلطف بهذه الأسرة الصغيرة لم يقل عليه السلام يا رب إني تركت اسرتي بناء على أمرك بل برر فعله هذا بما يعلم قَدْرَهُ وقوة أثره في استدراج رحمة ربه فقال { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } وصف الله تعالى إسماعيل بأنه { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } و
ولاحظ الربط بين الأمر بالصلاة وبين الرضا ، نبيك الحبيب عليه الصلاة والسلام كان إذا أهتمّ وضاقت به الحيل صلّى ليصله الله بالحل والفرج كان إذا حلّ وقت الصلاة قال أرحنا بها يا بلال كان إذا فرغ من مشاغله صلّى، كانت الصلاة أحب العمل إليه فكان أحب الناس للناس بل للخالق جلّ وعلا وكان أكثر هم رضا وأحسنهم خلقا ، بهذه الصلاة وبندائك للصلاة وبأمر أهلك بالصلاة سترضى وسيصلك الله بفضله، سيحبك الناس لأن الله قد أحبك وستأتيك الخيرات لأن الله قد رضي عنك ورضي فعلك وقولك، والله إن رضي فلابد أن يرضيك فهو الكريم جلّ وعلا. 
ثانيا : ومما يرضي الله ليرضى ومما يهذب النفس فترقى ذكره سبحانه وتعالى، بألفاظٍ يسيرةٍ سهلٌ حفظها سهلٌ نطقها في كل شأن تذكر تصان فقط عن اماكن الخلاء وحين قضاء الحاجة وعما لا يليق ذكر الله حينها ، ألفاظ خفيفة ثوابها عظيم، ألفاظ لطيفة أثرها بالغ القوة، هي حبل متين للصلة بالخالق جلّ وعلا ألا يكفيك منها أن الله تعالى سيذكرك بسببها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً }مسلم يا ترى أمع مثل هذا الرب سيبقى هناك مبرر للقلق؟ أو يكون هناك مجال للهمّ؟ سبحانه وتعالى عمّا يشركون اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم اغفر لنا ولوالدينا وازواجنا وذرياتنا وأحبتنا والمسلمين

الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا طاهرا مبارك فيه حمدا يليق بجلال وجهه الكريم وسلطانه العظيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وسراجا منيرا وخاتما للرسل أجمعين وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين وبعد عباد الله 
ثالثا: ومما يهذب النفس ويطورها ويرتقي بها عن الأنفس الهلوعة الجزوعة التي تحرم أصحابها الحياة بسبب خوفهم على الحياة، الدعاء فهو صلة بالله تعالى وهو ذكر لله تعالى هو منجاة العباد هو سلمهم لتحقيق أهدافهم وطموحاتهم هو سلمهم لرقي وسمو أنفسهم وأخلاقهم، فإن الله تعالى كريم حيي يستحي من عبده الضعيف أن يرده وقد رفع يديه بالدعاء له، فمن دعا ربه واثقا من حياء ربه موقنا بسماع خالقه لمسألته متيقنا من قدرة إلهه على تحقيق آماله فلن يخيب رجاؤه ولن يحيط الهمُّ به ولن يكون لسوء الخلق مدخلا عليه، فادعوا ربكم تضرعا وخفية وتحروا اللحظات التي يقترب فيها ربكم منكم وبالأخص بين الأذان والإقامة وفي السجود وقبل التسليم من الصلاة وساعة من الليل وساعة الاستجابة يوم الجمعة. 
رابعا: ويبقى من أنواع الذِكر والصلة بالله، الحبل المتين كلام العزيز الحكيم ما تصفح مسلم كتاب الله يتلوه ويقلب صفحات مستحضرا جلالة وقدسية من تكلم به مستحضرا سماعه له مستحضرا عظمة مجلسه وما بين يديه إلا وتغيرت أفكاره وانزاحت همومه، فاجعل لنفسك كل يوم حزبا عددا من الصفحات تحددها وتلتزم بها تلاوة أو حفظا وستجد لها في حياتك أثرا عجيبا، ومن تقدم يوم الجمعة وتلا من كتاب ربه ما تيسر له فسيجد من بركة هذه التلاوة أنه أكثر استفادة من غيره من يوم الجمعة من خطبتها ومن لحظاتها وبركاتها, فاستدرجوا عباد الله رحمات الله وفضائله ورضوانه وحصّلوا رقي النفس وتطويرها بهذه الأعمال اليسيرة الجليلة، الصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن الكريم، واعرفوا أهلها من خلال سلوكهم في هذه الحياة, 
وستبقى الصلاة والسلام على رسول الله كما حثّ ووصى وعلّم عليه أفضل الصلاة والسلام هي تاج الأذكار فقد أمر الله بها وبيّن سبحانه أنه يصلي على رسوله والملائكة بعده ثم المؤمنون من خلقه،  إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب : 56] ويقول المصطفى عليه الصلاة والسلام من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ويقول عليه الصلاة والسلام أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل