خطبة الجمعة جمال الحياة في جمال الطلب والعمل

الحمد لله الولي الحميد الغني الكريم البر الرحيم بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله لا معقب لحكمه ولا رادّ لفضله أشهد أن لا إله إلا هو الحي القيوم بيده الخير وهو على كل شيء قدير وأشهد ان محمدا عبده ورسوله نبي الرحمة وإمام الهدى وسيد الورى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن بهداه اهتدى وسلم تسليما كثيرا 
وبعد عباد الله فاتقوا فإن التقوى حبل النجاة وطوق الأمن ومركب السعادة في الدنيا قبل الآخرة 

يقول الله تعالى { أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ } ويقول سبحانه { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } يستنكر الله جلّ في علاه ظنَّ بعض الظانين أن الناس في التمتع بالحياة سواسية أو أن تفاضلهم في المتع بناء على أنسابهم أو مناصبهم، فمن يظن هذا الظن فهو في ضلال بعيد، 
كم من ذي سلطان وذي مال وذي وجاهة يعيش نعيما متكاملا في جسده وفي روحه، وآخر محروم لا يملك من أمره شيئا ولا يستمتع بما بين يديه من النعم، بل إنه بسبب كثرة ماله صار يخاف على عياله وأحيانا منهم فضلا عن خِلانه، وكم من فقير معدم يعيش نعيما ومتعة وسعادة لا يعرفها الكثير مع أنه يدرك أن غدا قد يفجأه بحدث لا يملك له دفعا،  وفي المقابل نجد من زاد البلاء على نفسه مع الفقر همّا وغمّا وقلقا وتخوفا فهو يأنّ ويشكي من حاله ومن تخوّفه ينشر الهمّ معه ويزرع الخوف من المستقبل الذي تكفل الله به حتى ملّه أصحابه وكرهوا مجلسه فعّذب نفسه بنفسه ولا مبرر له إلا وهما توهمه. 
وكل ذلك التمتع بالحياة من عدمه إنما يجلبه يقين القلب أو يدفعه، من تيقن بأن الله أرحم به من نفسه لم يحملها أمرا لم يحل أجله، من علم حقيقة الحال فتمتع بنصيبه من الدنيا وأحسن للآخرين بقوله وبعمله حيث أحسن الله إليه عاش النعيم وسَعُدَ وأسعد وأمِن عياله والناس من حوله. 
وإن مما خشيه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أن يعيشوا شيئا من هذا القلق والهمّ الذي لن يجلب خيرا ولن يرد ضرا بل يفسد الحياة ويشوه جمالها، فقَالَ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
 أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ" وفي رواية أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْقَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ حَتَّى يَبْلُغَهُ آخِرُ رِزْقٍ هُوَ لَهُ، فَأَجْمِلُوا فِي الطلب. 
وصدق الله تعالى { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } يزعجه عليه الصلاة والسلام أن تتكدر خواطركم أو أن يحل بكم ما يهمّكم حريص عليه الصلاة والسلام على أن تفوزوا بما تحبوا من خيري الدنيا والآخرة. 
والكسب المادي هو المطلب الرئيسي للناس في هذه الحياة والكثير من الناس قد لا يتحصل على ما يريد متى ما أراد وفق ما أراد، وخشية منه صلى الله عليه وسلم أن يدفعهم استبطاء الرزق لما لا يحل لهم من قفز فوق حدود الله التي حدّ فيفسدوا آخرتهم، أو لما لا يحل لهم من يأس فيستسلموا ويدعوا العمل أو ينشغلوا به فينسوا أنفسهم وأسرهم فتفسد دنياهم ومن ثم آخرتهم، بيّن لهم أن الله تعالى تكفل لهم بأن يرزقهم وأن رزقهم المقدّر لهم سيأتيهم في وقته المحدد مهما بذلوا لجلبه من أسباب، وأنهم لن يحرموا ما قدّر لهم مهما تكالبت عليهم الأسباب، فالله بحكمته قد بسط الرزق وقدّره، قدّر مستواه ووقته فاختار بحكمته الظرف والزمن المناسب لكل منا ليتمتع بما قدّر له.
{ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ () لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أسأل الله لي ولكم فضله وعفوه ومغفرته، 

الحمد لله الغني الكريم مالك الملك واسع الفضل والعطاء يداه بالخير سحاء ليلا ونهارا أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله 
فلكي يحظى ويتمتع العبد بما قُدّر له عليه أن يجمل في الطلب أي يتجمّل ويتأدب في الطلب. 
أن يكون طلبه ودعاؤه جميلا لا أثر فيه لغل ولا لحقد ولا لظلم أن يكون سعيه ورجاؤه جميلا، أن يكون هو جميلا متأدبا في قوله وسلوكه مع الله أولا، ولا جمال مع الله يرى الناس ضده. 
من مظاهر الأدب مع الله أن لا يرى الله منه الوله ولا الحرص ولا النصَب ولا الغش ولا الكذب ولا أذية الآخرين كي يصعد وتنمو مكاسبه، 
من الجمال في العبادة أن تتعبد وتتقي ما استطعت وكذلك في كل مجال في العمل والتجارة عليك بما استطعت، فهنا التجمل لله ونتيجة التجمل لله جمال في الحياة لا يوصف، ِ
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ} مسلم. 
لا يشوه الجمال ولا يحبط الآمال شيء كالاستعجال فهو الداء العضال للجمال 
لجمال الرحلة لجمال الدراسة لجمال الحياة عامة لا شيء يفسده كالاستعجال، 
وفرق بين الاستعجال وبين الهمّة والمبادرة وعدم التأخر، فالاستعجال هو الذي يدفع لقطف الثمرة قبل استوائها يهتم للحظة العودة من الرحلة منذ نزوله فلا هو استمتع ولا هو استفاد من أداوته ولا أفاد رفقته، ينتهي  من العبادة دون استيفاء أركانها وسننها أو قبل حلول وقتها، يتوقف عن العمل قبل أن يوقف وقبل أن يعجز، فالنتيجة ها هنا خسران لا حدّ له وأما المبادرة والعجلة نحو ما تيسر فهو مطلق الأدب وغايته. 
عباد الله نكرر دوما أن التوفيق الأتم هو التوفيق لطاعة الله وهذا حق ولكن هذا التوفيق هو تبع لتوفيق آخر لن يوفق العبد في العبادة والطاعة حتى يوفق في أمرين رئيسيين:
 اختيار الزوج
 واختيار الحِرفة 
فهما خط سير الحياة وهما من سيقود الحياة، بهما جمال الحياة او عدمه، بهما الفوز بالدرجات العلى في الآخرة من عدمه. عباد الله قدّموا الجمال قبل ان تطلبوه وجمّلوا عباداتكم وسيرتكم بالتوفيق الذي تزرعونه لأنفسكم من خلال تقوى الله والعمل وفق المستطاع والتمتع بلحظات الحياة حتى الممات. جمال الحياة يتمثل في قوله تعالى{ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }
اطلبوا ما عند الله بجميل خُلق وتعامل تقدمونه لعباد الله

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل