خطبة الجمعة أهمية القراءة للحياة

  خطبة الجمعة   أهمية القراءة

الحمد لله خلق الإنسان في أحسن تقويم وكرّمه، علّمه وبالعلم فضّله على سائر من خلق، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وإمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وتمسك بهديه وسنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
 فلقد ناداكم الله واصفا إياكم بأحب الصفات إليه وأحبها إليكم قائلا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } فحققوا عباد الله هذه الصفة المحببة من خلال التقوى في كل الشأن ما أمكن واستديموا بقاء الإيمان معكم ولكم حتى الممات وذلك يكون بالتقوى واستعينوا بربكم في تحقيقكم لرضا ربكم.
عباد الله إن من أبرز ما أمّتن الله تعالى به علينا هو بعثه لمن يعلُّمنا ويزكينا ويرتقي بنا فقال سبحانه وتعالى { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }
فالعلم والرقي بالفكر هو من أفضل النعم إن تيسر وتوفر، وإنما يرتقي الفكر بالعلم تعلما وتعليما قراءة وكتابة، ومن تيسر له تعليم الناس والرقي بهم كان في خير المنازل ففي الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام : فضل الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، إِنَّ الله عز وجل وملائكته وأهل السموات وَالأرْضِ حَتَّى النَّمْلَة فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوت لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ} صححه الألباني

قال ابن مسعود رضي الله عنه حينما تُلي عليه قول الله تعالى ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا... الآية قال: إِن معَاذ بن جبل كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا فَقيل إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله حَنِيفا فَقَالَ الْأمة الَّذِي يعلم النَّاس الْخَيْر وَالْقَانِت الْمُطِيع لله وَالرَّسُول وَكَانَ معَاذ بن جبل يعلم النَّاس الْخَيْر وَكَانَ مُطيعًا لله وَرَسُوله. فما يمنعك عبدالله أن تكون أمة كمعاذ بن جبل بل أمة كإبراهيم عليه السلام فكل ما يتطلبه منك ذلك طاعة الله ورسوله وتعليم من حولك الخير.
وإن لنا في ابتداء الوحي الإلهي لخير الناس خاتم الرسل بالدعوة للقراءة لتوجيه ورسالة للعناية بالقراءة، فلقد دعا الله تعالى نبيه للقراءة وجبريل بلّغ الدعوة وأكّد عليها وأعاد الأمر بها مع كل اعتذار من النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب في تبيان لعدم قبول الاعتذار بعدم الاستطاعة قبل المحاولة، وتأكيد لأهمية القراءة لحياة الإنسان عامة ولهذه الأمة خاصة حيث لا حياة لها بدون القراءة. فبالقراءة يكون البناء الفكري الذي يكون من ورائه البناء الحضاري، فالبناء الفكري الصحيح يبني شخصية إنسانية قوية عزيزة لا تُضلها الأهواء ولا تزعزعها الأفكار الدخيلة ولا تضعف أمام الثقافات المختلفة، وهذه أبرز مقاصد الشريعة لأن فيه المحافظة على حياة أمة أراد الله لها أن تكون خير أمة.
وإن من الشقاء الذي تبتلى به الأمم انحسار العلم في زوايا معينة من بلدانها ومحاربة أهل العلم فيها وتضييق مجالات العلم التي تُدرس في مدارسها.
لقد استنهض دين الله العقول ووجّه الأفهام وكسّر أغلال التقليد والتبعية العمياء ودعا لحرية الفكر المنضبطة لأن بهذا يكتمل العقل ويستقيم التفكير وتكتمل الشخصية الإنسانية، في غزوة بدر جعل النبي صلى الله عليه وسلم ثمن فداء الأسرى المشركين أن يعلّموا من المسلمين القراءة والكتابة بعدد الأسرى، بهذه العناية وبهذه المبادئ نقل الإسلام العرب من أمة لا تكترث بالقراءة إلى أمة ملأت الأرض بكتبها ومفكريها ومن أمة لا يكترث لها إلى أمة سادت الأرض وأهلها لقرون طويلة، فلما أهملت الأمة سر عزتها وكرامتها أعني العلم وتحولت إلى الجهل والخرافة والروايات الزائفة قراءة أو مشاهدة باتت منزوية تأمل في عطف عدوها عليها.
اللهم علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا علّمنا اللهم التأويل وفقهنا في الدين واجعلنا من عبادك الصالحين افتح اللهم علينا في العلم والفهم والرزق واغفر لنا ولوالدينا وأزواجنا وذرياتنا وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات


الحمد لله عالم الغيب والشهادة ميّز أهل العلم وفضّلهم وفتح أبواب الجنان لهم ووعدهم العون وتحقيق الرضا إن صدقوا السعي في طلب العلم وتعليمه، أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد ان محمد بن عبدالله عبد الله ورسوله النبي الأمي الذي علّم الأمة وزكاها وهو لا يعرف القراءة ولا الكتابة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا،
وبعد عباد الله فلن يرتقي إنسان لا يقرأ، ولن يقرأ الإنسان ما لم يُحبب في القراءة منذ صغره إلا من رحم الله.
ويحبب الصغير في القراءة بأمور منها
أن يجد والده ومعلمه محبا للقراءة متعلقا بالكتاب،
وأن يهدى إليه الكتاب حينا كما تهدى إليه الألعاب،
وأن يُشجّع على القراءة بما يناسبه من سبل التشجيع،
وأن ينتقى إليه الكتاب المُعدّ لمن هم في مثل سنه بدءا بالمصحف الشريف حيث تُطبع نسخ خاصة للصغار محددة الأجزاء خفيفة المحمل لا يستثقل حملها ولا يستطيل ختمها ثم ننتقي لهم من القصص والروايات ما يعزز القيم الفاضلة ويدعو لمكارم الأخلاق والمصاغة بأساليب تناسبهم.
وإن من أنواع السياحة في الأرض السياحة في عقول الناس من خلال قراءة أفكارهم وعلومهم، ولقد أبدع العلماء الأوائل والمعاصرون في نقل ثقافات الشعوب الأخرى وتطويرها من خلال الانفتاح على القراءات الحرة بعد تثبيت جذور وشجرة الفكر الاسلامي في النفس علما بالعقيدة وبمبادئ الدين فإن المرء لا يتجرأ على السياحة الخارجية ولا الداخلية ما لم يكن له زاد يضمن معه قدرته على الرجوع إلى موطنه. فاقرءوا عباد الله وانشروا ثقافة القراءة في بيوتكم واجعلوا لأنفسكم حظا ونصيبا في كتاب الله تعالى فإنه سر الثبات وسر الراحة النفسية والطمأنينة في الحياة وهو سبيل العودة الآمنة لمن سار في طرق السياحة الفكرية اقرءوا في صحيح البخاري ومسلم وغيرها من كتب الحديث لتعيشوا أجواء الحياة الإسلامية الأولى اقرءوا سير الأولين والآخرين اقرءوا ما يكتبه من تحبون ومن تبغضون واجعلوا من كتاب الله وسنة نبيه حكما لكم على ما تقرئون .
ثم صلوا وسلموا على من اعتنى بكم تعليما ورقيا وأمنا فذلك أمر الله وتلك وصية رسول الله اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين له إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل