الحث على التوبة
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب واسع الفضل رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله بعثه بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا إلى الثقلين الإنس والجن جميعا وعلى آله وصحبه ومن تبعه واستمسك بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فإن إبراهيم عليه السلام وهو من الموصوفين بأنه من أولي العزم من الرسل واتخذه الله خليلا وكرّمه تكريما عظيما فكل النبيين من ذريته وعلى ملته وكل من دعا للتوحيد فهو يدعو على هديه وللخليل مثل أجر من دعا واهتدى، ونؤمن بأن له عليه السلام من التكريم في الآخرة أعظم وأجزل، كل ذلك هبة من الله للخليل إبراهيم عليه السلام تقريبا لمنزلته وإعلاء لشأنه وهو يعلم ذلك، ومع ذلك فلما أوذي عليه السلام من قبل قومه واشتد الأذى عليه نادى في قومه معرفا ربه قائلا والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، فمع يقينه بوحدانية الله ومع جهاده في الدعوة إلى الله، ومع ثقته بسعة فضل الله إلا أنه يخاف أن لا تغفر خطيئته فهو يرجو ولم يثق، يؤمل ويسعى، إنها روح الأنبياء التي تُعظّم الله كما ترجوه وتخاف عذابه قدر طمعها في رحمته عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا} متفق عليه.
عِلمٌ كان يدفع النبي الحبيب عليه الصلاة والسلام للاستغفار في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة يخشى من خطيئة لم يتعمدها ويخشى من فوات فرصة تجديد التوبة أن لا يستغلها، فكل فراغه استغفار وغالب ليله صلاة وتلاوة وذكر واستغفار، الأنبياء يعملون الصالحات ويبذلون فيها الأوقات مضحين براحة الذات ولا يدخرون مالا لأجل تلك القربات ومع ذلك يزدادون خشية أن لا تقبل منهم الطاعات فهم في رجاء المغفرة دائمون وفي سبيل الفوز بها عاملون ومجدّون.
عن عَائِشَةَ أنها سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قَالَتْ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ تُقْبَلَ مِنْهُمْ. إنهم الأنبياء ومثلهم الصالحون في كل زمان ومكان يبتغون إلى الله الوسيلة يتنافسون أيهم أقرب إلى الله رجاء رحمته وخوف عذابه، يتنافسون في استغلال الأوقات والفرص للتقرب إلى الله للفوز بما وعد وللنجاة مما أعدّ، يعملون الصالحات وهم يرقبون قول الله تعالى { غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ } يعلمون أن الله يفرح بتوبة عبده وإقباله وأنه كذلك يغضب لغفلة العبد وإعراضه.
يقول سبحانه وتعالى { يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } سعادة المؤمن مراد الله ومحبوبه ولذا فقد بيّن ثم هدى ثم نادى بالتوبة التي هي أقوى أسباب كسب السعادة الرضا يقول تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
ذلك أن الإنسان كائن خطاء يضعف كثيرا أمام شهواته التي لا تحل له إما شهوة طعامٍ أو جنسٍ أو شهوة كسبٍ حرام أو سماعٍ ومشاهدةٍ حرام أو تلذذٍ بسماعِ انتقاصٍ لخصمه متغافلاً ان تلك غيبة فيضعف كالمعتاد فيقع في الخطأ بعمد أو بغير عمد لذا فرحمة من الله تعالى بنا وصانا بالتوبة وتجديدها. وللصالحين التائبين علامة بيّنة بيّنها سبحانه وتعالى بقوله { إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ () وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ () وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ () وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ () أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ () وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ }
عباد همّهم عمل الصالحات، يعملونها وهم خائفون من رفضها، يعملون الصالحات مبادرين إليها معرضين عما يشغل عنها، يعملونها باحثين عن رضا ربهم علّه يدخلهم في زمرة الصالحين، والدخول في هذه الزمرة هو مطمع النبيين قبل غيرهم { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ }
الحمد لله العزيز الحكيم البر الرحيم الولي الحميد والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وهاديا للصراط المستقيم محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فلقد وعد الله تعالى عباده على التوبة أن يبدل سيئاتهم السابقة حسنات وأن يفتح لهم بتوبتهم أبواب السماء بالخيرات وأن يحلل عليهم البركات كلما تجدد التوبة في قلوبهم، وما هذا إلا ثمرة يسيرة من ثمرات كسب رضا الله الذي إنما يستدرج بالتوبة وبكثرة الاستغفار يقول الله تعالى { الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ () أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ () وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ () إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ويقول سبحانه وتعالى { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } بشره بالمغفرة التي يرجو وأكثر وبشره بالأجر الكريم الذي يرجو وأكبر، إن التوبة ولزوم الاستغفار هو نهج النبيين والصالحين وهو سندهم في الملمات والصعوبات وهو عنوان شكرهم للفضائل والنعم يقول الله تعالى موصيا إيانا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا } متفق عليه.
كن من الصالحين إن ابتليت بما يضر فاصبر وصل واستغفر، وان ابتليت بما يسر فاشكر وصل واستغفر، وأكثر دوما من الصلاة والسلام على من تمنى رؤيتك وفضّلك على كثير من صحبه وجعل الله الحوض موعدا لك تكتمل عنده الفرحة باللقاء إن لزمت سنته وحافظت على هديه اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وارض اللهم عن صحابة نبيك وأرضهم وعن التابعين لهم ومن تبعهم وارض اللهم عنا وعن والدين وأزواجنا وذرياتنا وأحبابنا معهم بمنّك وكرمك يا أكرم الأكرمين
اللهم أدخلنا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وسائر أحبابنا برحمتك في عبادك الصالحين وألحقنا بنبينا وحبيبنا محمد وأدخلنا الجنة بصحبته وامنن علينا بالفردوس الأعلى من الجنة بقربك وقرب حبيبك محمد وباقي النبيين يا أرحم الرحمين
تعليقات
إرسال تعليق