اتخذوا رؤساء جهالا

الحمد لله الملك العلاّم عالم الغيب والشهادة علّم الإنسان ما لم يعلم وحمّل العالِم والمتعلم أمانة العلم تعلما وتعليما وهو العزيز الحكيم أشهد ان لا إله إلا هو العلّي العظيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبد الله ورسوله النبي الأمي المُعلّم من قبل ربه ليكون علما وسراجا منيرا لأمته في كل أجيالها وليكون سيدا للأولين والآخرين كافة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله سرا وجهرا وأظهروا التقوى ما استطعتم قولا وعملا أعينوا الناس على التقوى بالحث على الصالح من العمل والمسابقة إليه وأحسنوا التقوى بالعلم بمكنونها وبحدودها ومظاهرها فقد افلح المتقون وقد فاز المتقون بحب ورضا رب العالمين وخيراته وبركاته يقول الله تعالى { وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } عباد الله لقد يسّر الله سبحانه لنا الدين كله وجعل القرآن ميسراً لمن أراد تعلمه وتلاوته، وجعل أحكام الدين واضحة معلنة، ولم يسمح لنبيه ولا لأحد من حاملي رسالته أن يكتم شيئا من هذا العلم والناس بحاجة إليه، بل جعل سبحانه وتعالى منته الرئيسة على الخلق أن شرع لهم ملة حنيفية سمحة تناسب فطرتهم التي فطروا عليها وتصون كرامتهم وترتقي بأنفسهم فكرا وعملا ومنطقا وأن بعث لهم من يبين لهم هذه الملة ويربيهم عليها { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } فما أسعد حظ من تولى شيئا من هذه المهام العظيمة فأحسن الأداء فيها وما أشقى من دخل هذا المجال فأساء فيه وأضل الناس وحرفهم عن الجادة وأوقعهم في الضلالة بعد إذ نجّاهم الله منها. عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا. متفق عليه. لقد كتب الله تعالى على كل الخلائق الفناء قبل قيامة الساعة ومن أولئك حملة العلم، أما العلم فإنه لا يقف ولا يفنى بل ينمو بقدر عناية الناس به وبأهله جيلا بعد جيل، وأثر عناية الناس بالعلم أكثر من أثر عناية العلماء بالعلم فالناس هم من يدعم العلماء ويدفعهم لمزيد بحث وتعلم وتعليم وهم من يحمي العلماء من الوقوع في دنايا الدنيا ويعينهم على صيانة العلم ورعايته، ولذا إذ اختار الناس علماءهم وفق معايير غير علمية ولا شرعية وتساهلوا في الاختيار حبا في سهولة تلقي المعلومة واتكالا على مقولة اجعل بينك وبين النار مطوعا أو تركوا الاختيار للإعلام بأنواعه فقد أساءوا الاختيار وتسببوا على أنفسهم في ضياع دينهم. الإنسان بطبيعته الدنيوية يحب الظهور ويجب ان يُمدح وأن يُقدم ولو لم يبذل جهدا يُذكر، وأسهل الطرق لذلك قديما وحديثا هو سلم العلم والدين، فإن وجد مريض القلب من الناس تحقيقا لهذه الرغبات لم يتحرج ولم يتردد في لبس ما قدمه الناس له، وحفاظا على تلك الأجواء الخداعة فإنه يأتي بالعجائب والغرائب ليقال أين أولئك عن مثل هذا؟ كم كنا جهالا إذ اكتفينا بالتلقي من أولئك؟ وما علموا أن هذه هي نهاية الخيرية لديهم. جاء في الحديث { إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر } قال ابن المبارك: الأصاغر : أهل البدع . وفي الحديث الآخر { لا يزال الناس بخير ما اخذوا العلم عن اكابرهم فاذا اخذوه من اصاغرهم وشرارهم هلكوا . صححه الألباني. يتعبد الناس لربهم وفق معلومة درسوها ورأوا مجتمعهم يعملونها فهم على يقين من صحتها ثم يأتيهم طالب علم أو من لم يعرف بعلم يقول إن هذا خطأ لم يثبت أو ضعيف فتجد الناس يتناقلون تلك المقولة على أنها حقيقة مسلمة يجب امتثالها متناسين وصية الوداع النبوية { قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ} أي تمسكوا بما عندكم من علم تعلمتموه ولا تنساقوا خلف كل غريب من الفتاوى، وفرق بين العلم والعادة نسأل الله علما نافعا وقلبا خاشعا ولسانا ذاكرا وصلى الله  
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا وإمامنا المبعوث رحمة للعالمين وسراجا منيرا للعالِمين والمتعلمين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله إن مما حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم هو أن يتخذ الناس رؤساء جهالا أي أناس تظهر عليهم سيما العلم ولكنهم لأمر ما جُهّال وليسوا فقهاء والمصيبة اليوم أعظم فقد اتخذ الناس الواتسب والتويتر وإخوانهما رؤساء في الدين فتناقلوا بها الشبه والفتن والفتاوى الغريبة العجيبة هي التي لا يظهر عليها أي علامات تدين والويل لمن لم يقرأها والويل ثم الويل لمن لم ينشرها. يعلم الجميع الحرب المعلنة اليوم على السنة من قبل أعداء الدين كافة ثم نجد من يشارك في تلك الحرب بجهله وكسله، من ضمن الحرب العلمية على السنة تشويها وتشككيا وصرفا عن الحق ما يقوم به بعض الأعداء من اقتطاع كلام مسجل لأحد العلماء فيبتره لا يأتي بأوله ولا بآخره ولا يتطرق لسببه فيقول هذا حكم كذا وكذا، ومن المشاركة في الحرب على الإسلام نقل تلك المقاطع المقتطعة من أقوال العلماء، ومن الأمثلة على ذلك ما تناقله الناس في الفترة الماضية عن الشيخ الإمام محمد بن عثيمين رحمه الله حول حكم رضاع الكبير المقتطع من درس علمي وحكم قول اللهم صل وسلم على سيدنا محمد حيث كانت إجابة الشيخ رحمه الله عن قول اللهم صل وسلم على سيدنا محمد أثناء التشهد في الصلاة فهذه اللفظة هنا لا تجوز ذلك لأن الأفعال والأقوال في الصلاة توقيفية كل لفظ يقال في موضع خاص به لا يحق لأحد ان يغير ولا أن يبدل ولا أن ينقل لموضع غير المحدد فلا تقل سبحان ربي الأعلى في الركوع ولا سبحان ربي العظيم في السجود ولا تبدل لفظة سبحان ربي العظيم أو ربي الأعلى بسبحان الله وبحمده ونحوها من الألفاظ التي يُمجد الله فيها فكذلك لا تقول اللهم صل على سيدنا محمد في التشهد بل قل كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكما تعلمته وعلمته كل سنين حياتك اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الخ فنقل العدو المغرض جزءا من قول الشيخ وعلّق أن هذا هو حكم قول سيدنا محمد، فطار الناس به جهلا وتناقلوه سريعا وكأنهم كانوا في ضلالة فوجدوا بغيتهم مع أنهم درسوا وحفظوا قول المصطفي الحبيب عليه الصلاة والسلام أنا سيد ولد آدم. عباد الله لئن كان النقل يسيرا فالتثبت يسيرا كذلك فكل علماء الأمة قد تم تفريغ فتاويهم في مواقع إلكترونية خاصة بهم يمكن البحث فيها عن أي معلومة بسهولة تامة. وهنا أقول لكل من نقل مثل تلك الرسائل ولم يتثبت لقد افتريت على الشيخ المنقول كلامه وساهمت في إضلال الأمة وفي تشويه صورة علماء أهل السنة فبادر بتكفير خطيئتك قبل أن يأتي يوم يحاسبك فيه الشيخ وتحاسبك فيه الأمة يوم لا بيع فيه ولا خلة يوم يفر فيه المرء من كل احبته خشية أن يطلبوا منه مسامحة وعفوا عن زلة منه تجاههم فالكل يومئذ يبحث عن حسنة تنفعه. عباد الله كلنا محملون أمانة العلم والتعلم وكلنا محملون أمانة النقل عن الآخرين والله لا يكلف نفسا إلا وسعها وإلا ما آتاها فلا يصح ان نفرّط في الأمانة ولا أن نكلف أنفسنا ما لم يكلفها الله تذكروا وصية الوداع النبوية وتمسكوا بما وصيتم به فيها وسلوا الله العلم النافع والعمل الصالح والثبات على السنة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل