خطبة الجمعة الشتاء عدو يجب ان يتقى وهو رسالة تذكير لابد أن توعى

الحمدلله المبدئ المعيد ذي العرش المجيد الفعال لما يريد، يقلب الليل والنهار ويقلب القلوب والأبصار ويقدّر الأقدارَ بحكمته وعدله، يحكم لا معقب لحكمه وهو الولي والحميد. أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى والرحمة بشيرا ونذيرا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا أما بعد عباد الله فاتقوا الله فإن تقوى الله هي شعار المؤمنين وهي أمانهم مما يخافون في الدنيا وفي الآخرة وهي وصية الله لعباده { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 

عباد الله يقول ربنا جل وعلا { وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ () وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } أنتم والأرض وما عليها آيات واضحات بينات تدل على علم الله وعظيم قدرته وبديع صنعه جل جلاله وتنبه لضرورة إجلاله وتعظيم بتوحيده وحده سبحانه في كل أنواع العبادة القولية والعملية، إجلاله وتعظيمه سبحانه من خلال استشعار معيته وبما ينتج عن ذلك من آثارٍ تظهر في الفكر وعلى الجوارح من خشيةٍ وتُقى تدفعان للتوبة عند كل خطيئة وتحملان على الاستغفار عند كل غفلة وتنبهان لضرورة لتدارك الزمن بعمل صالح قبل الترحل يقول الله تعالى { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } 
فتعاقب الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار وتعاقب الصيف والشتاء، تعاقب الحر والبرد تعاقبٌ يدرك معه المؤمن قدرة الله وبديع صنعه ليزداد إيمانا مع إيمانه ويرتقي في مدارج الإيمان ومنازل التقوى حتى يكون محسنا لا خوف عليه ولا هو يحزن. 

عباد الله حلّ علينا الشتاء بأجوائه الباردة فنسينا حر الصيف وشمسه نسيناه لدرجة أننا أحببنا الشمس التي كنا نهرب منها وصارت مطلوبة محبوبة بعد أن كانت مصدر تذمر، وهذا أمر يدعونا لإدراك حقيقة يفترض أن تجدد الإيمان في قلوبنا وأن تحيي صلتنا بالله، تلك الحقيقة التي ستبعث الأمل مشرقا في النفوس وترسخه حينما تتيقن أن الحياة قابلة للتغير وأن الشدائد مهما اشتدت فستزول وستعود الحياة جميلة كما كانت بل وأجمل، حقيقةٌ تؤكد على أن النعم في البدن والمال والوطن ستتحول وتتبدل إن لم تشكر شكرا يظهر من خلال استغلالها في كسب رضا واهبها. 

في تغير الأجواء وتبدل الأحوال حتى ينسي الحاضرُ آثار الراحلَ كما لو تمر إشارة لقدرة الله جل جلاله على إفناء الخلق وبعثهم كما أنشأهم أول مرة، ورسالة تذكرنا بما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط .
 وفي حلول الشتاء بقسوته وألم قرصته لبيان على قدرة الله تعالى في أن يعذّب العصاة والمجرمين بالبرد كما يعذبهم بحر النار. بأمر الله رحل الحر وكأن لم يكن وبأمر الله نزل المطر فأشرق وجه الأرض وكأن لم يُغبر من قبل، وبأمر الله وتدبيره تبدلت الأحوال وتغيرت زانت وأبهجت وأزانت الدنيا معها وحلّ الفأل الحسن بالجميع حتى من لم يكن مزارعا وليس راعيا { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ () وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ } 

عباد الله وفي آية من آيات الله وعظاته حلّ الشتاء ومعه برد شديد يروح ويجيء ،وللبرد خطره الذي يجب الحذر منه فقد سمي كافرا لشدة أذاه، ذلك أن الكافر هو الذي بفعله القبيح يغطي بذور الإيمان في قلبه، هو الذي بقبيح صنعه ولؤم طبعه يغطي الرحمة في قلبه، هو الذي لشقاء قلبه وخلل فطرته لا يرقب في من لم يوافقه إلاّ ولا ذمّة، هو الذي إن تمكن تغلغل حتى يفسد ويدمّر، والبرد كذلك لا يرحم ولا تظهر منه أيا من صور الرحمة إن قوي وتمكن، إن تمكن تغلغل في البدن حتى يفتك بالجسد مخلخلا العظام وممزقا للجلد ومعطلا للقلب، البرد هو الذي لا يفرق بين اجناس البشر ولا أعمارهم ما دام مقتدرا عليهم. ومما قالته العرب قديما في التحذير من البرد ( اتقوا البرد في أوله وتلقوه في آخره ) ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه وصية خالدة وجهها للفاتحين لبلاد الشام حينما حلّ عليهم فصل الشتاء هي وصية مشفق خبير تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل وفيها يقول رضي الله عنه :

 إنّ الشتاء قد حضر، وهو عدو تأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب  واتخذوا الصوف شعارًا ودثارًا ، فإنّ البرد عدوٌ سريعٌ دخوله ، بعيدٌ خروجه. أ . هـ رضي الله عنه
فالبرد هو عذاب إلهي يجب أن يُتقى بما يناسبه، هو رسالة من الله ليزداد المؤمنون إيمانا ولا يرتابوا في قدرة الله ووعده حفظنا الله وأحبتنا من كل سوء ومكروه


الحمد لله حمد الذاكرين الشاكرين علّنا نكون منهم والشكر له سبحانه شكر المعترفين بالنعمة المقرين بالتقصير والإساءة علّ نعمه علينا تُحفظ وتزداد وأستغفره لي ولكم من كل ذنب وخطيئة وأسأله رحمة واسعة تشمل الدنيا والآخرة لي ولكم ولوالدينا وأحبتنا والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وسراجا منيرا لمن طلب رضا رب العالمين وأمّل في التنعم بنعيم جنات النعيم. 

وبعد عباد الله فيجب التفكر في برد الشتاء كيف مرّ على أجيال مضت؟ وآباؤنا وأجدادنا نتذكرهم حينما يحل الشتاء وهم لا يعرفون هذه النعم والخدمات فنسأل الله لهم الرحمة والمغفرة والعوض والخلف في جنات النعيم.
كيف هو الآن مع شعوب ابتليت به وهم فاقدون لعامة مقومات الحياة؟
 كيف نجى منه أناس؟ 
وكيف هلك او ضعف بسببه أناس؟ 
الشتاء عدو من الخطأ بل من الجرم في حق النفس التهاون معه والتظاهر بمظهر القوة والتحمل أمامه، فإنه إن سكن العظام كان سوسا ينخر فيها ليفككها ويفتتها من داخلها حتى تكون هشة ضعيفة، وما انتشار مرض هشاشة العظام لدى الصغار والشباب كما هو لدى الكبار إلا نتائج عدم الأخذ بالأسباب المناسبة وقاية وغذاء.
 أخي الشاب وأنت في شبابك والعمر بإذن الله مديد أمامك فلا تهلك نفسك باستهتارك بسلامة جسدك فهو أمانة عندك وليس ملكك، اعلم أن الشجاعة ليست في مواجهة من هو أقوى منك بل في توقي شره والنجاة منه، واعلم أن الأناقة ليست في لبس ملابس الصيف في فصل الشتاء بل الأناقة هي في اللبس المناسب للمكان وللزمان، وفي فصل الشتاء حين تختفي الملابس الصيفية تتجلى الأناقة والذوق وحسن الاختيار بين الألوان والأشكال في اللباس فتجمل أيها الحبيب وقّ نفسك شر البرد .

 عباد الله كان من سنة الني صلى الله عليه وسلم أنه يستغل الأحداث التي تمر به وبمن معه ليجدد الإيمان في النفوس ويحيي الصلة بالله وهذا الشتاء درس كوني يحيي به المؤمن قلبه ويقوي بسببه صلته بربه تعظيما واستشعارا لقدرته وقربه سبحانه 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل