خطبة الجمعة ( بر الوالدين )
بر الوالدين قضية مهمة أولاها الله جل جلاله عناية خاصة، وجعل الاعتناء بها حقا على عباده ومطلبا يقول جلّ وعلا { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } فالإحسان لهما ميثاق أخذه الله على عباده كم هو ميثاق التوحيد.
ويقول سبحانه { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } فالإحسان إليهما مقرون ومُوثّق بقضية التوحيد فهما متلازمان لا ينفكان يؤكد ذلك جل وعلا بقوله { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فحتى وهما كافران يبذلان الغالي والنفيس وباستمرار لا يكلان ولا يملان لصرفك عن طاعة الله وتوحيده أحسن إليهما إن كنت حقا مؤمنا موحدا ولكن لا تطعهما.
حتى إن بلغا من العمر مرحلة متقدمة المعتاد أن النفس تضيق فيها وتثور سريعا من كل ما لا يوافق الهوى، تكثر طلباتهما وتوجيهاتهما في ما تراه أنت غير صحيح ولا مناسب يجب إظهار الطاعة ويحرم إبداء الرفض والكراهية لطلبهما { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً () وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }
كلما زاد حنقهما على أمر تافه كلما ألحّا عليك لتحقيق أمر تكرهه كلما ضاقت نفسك منهما فقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، تذكر حينما تغضب منهما تربيتهما لك منذ الصغر، واستشعر أنهما لا زال يعملان في تربيتك حتى وإن بلغت المشيب حتى وإن لم يدركا ظروف المرحلة ومتطلباتها، أحسن إليهما وأسمعهما طيّب القول وأظهر الخضوع والتكريم لهما، ولا تطع إلا في المعروف ففي الحديث الصحيح إنما الطاعة في المعروف.
ومما مدح الله تعالى به أنبياءه برهم بوالديهم فقال عن يحي عليه السلام { وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } وقال عن عيسى { وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً }
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه! قيل من يا رسول الله؟ قال من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة. رواه مسلم.
لقد منح الله الوالدين هذا الحق لأنهما سبب الإيجاد ولما بذلاه من جهد في التربية والرعاية، وأيضا لأجل مشاعر خاصة لا يسيطران عليها مشاعر لا تتوفر بهذا القدر إلا لدى الوالدين مشاعر حب وشفقة ورحمة ولذلك ضوعف الحق لهما، مشاعر تدفع للتفكير وللبذل جهدا ومالا مشاعر تجعل الوالد أبا وأما يعيشان بعيدا عن واقعهما وعن حالهما وعن مجتمعهما ان قيل بخطر يتهدد ولدهما. مشاعر لا يملكها الأولاد مهما حازوا من مشاعر بِرٍّ وسيملكونها يوما ما حينما يكونوا آباء وأمهات. عباد الله أدركوا والديكم قبل ان يرحلوا، وأدركوا والديكم قبل ان ترحلوا، اعطوهم سببا للبسمة سواء في حياتهم او بعد مماتهم ما دمتم قادرين على العطاء كي تبتسموا عند ربكم يوم تلقونهما ويوم تلقون أزواجكم وذرياتكم عند مليك مقتدر فإن الملائكة تدعو لكم بالاجتماع مع أسركم في جنات النعيم { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ () رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } عباد الله استغلوا هذه اللحظات بالدعاء لكم ولوالديكم ولأحبتكم اطلبوا الرحمة والمغفرة لكم ولهم فهو خير الدعاء تقبل الله منكم.
عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن، سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس. فقال أنت أويس بن عامر؟ قال نعم قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بَرٌّ لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، فاستغفر لي. فاستغفر له.
فقال له عمر أين تريد؟ قال الكوفة قال ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال أكون في غبراء الناس أحب إلي.
قال فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس قال: تركته رث البيت قليل المتاع. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بَرٌّ لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل.
فأتى أويسا فقال استغفر لي قال أويس: أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي. قال: استغفر لي. قال أويس: أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي، ثم قال أويس لقيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له.
ففطن له الناس فانطلق على وجهه. رواه مسلم.
سبحان الله مشاعره العاطفية الصادقة تجاه أمّه جعلته مجاب الدعوة، بل من جمال هذه المشاعر وروعتها أن الله تعالى أخبر نبيه عنه مما دفع بالنبي عليه الصلاة والسلام إلى أن يوصي عمر به ويوصيه باستغلال لقائه بكسب دعوة منه فمثله لا يفوّت، فبروا والديكم ما استطعتم تكونوا مجابي الدعوة وتَقَربوا من ربكم بحسب قُربكم من والديكم، وتَقرّبوا من كل بارّ بوالديه فثم الخير لديه، واحذروا من العاق بأي شكل فلو كان فيه خيرا لبذله لأقرب الناس إليه.
أيها الآباء كونوا عونا لأولادكم في برهم بكم، غضوا الطرف أحيانا، وجّهوا بلطف أحيانا، خالطوهم كثيرا كي تقوا الصلة بينكم، شاركوهم مشاعرهم وأفكارهم وإن لم تناسبكم ما دامت لم تكن حراما.
عباد الله تلك المشاعر الفياضة الجيّاشة من الوالد عظيمة وهناك رجل حمل مثل تلك المشاعر بل أكثر وأعظم هو نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم مشاعر حواها قلبه لكم فأحبكم وهو لم يركم وخاف عليكم ولم يعش معكم ورفع يديه إلى ربه طالبا العون والخير لكم قائلا اللهم من ولى من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به. مسلم. صلوا على نبيكم كي يرضى غنكم ربكم وتفوزوا بشفاعة نبيكم ولقائه، وأكثروا من الدعاء لكم بما دعا به نبيكم لكم تسعدوا وتهنئوا بعيشكم اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
تعليقات
إرسال تعليق