خطبة عيد الأضحى المبارك 1437
هاجر وإسماعيل عليهما السلام وعبر متجددة
الوصايا النبوية
حصى الجمار وكلمات التوجيه
وغيرها
الوصايا النبوية
حصى الجمار وكلمات التوجيه
وغيرها
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الحمد لله عدد ما خلق وذرئ وبرى، الحمد لله حمداً كثيرا وسبحان الله بكرةً وأصيلاً أحمد ربي حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه وأشكره سبحانه شكرَ عبدٍ ضعيفٍ مقرٌ بخطئه وتقصيره ومعترفٌ بفضل ربه وكرمه وإحسانه، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله وسيد خلقه وإمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
عباد الله بالأمس وقف الحجاج بعرفة سكبوا العبرات وأطلقوا الحناجر بالدعاء أظهروا التوسل والخضوع والرجاء، وبالأمس تفضل المولى جلّ وعلا بقبولهم واهباً المسيء للمحسن منهم، وبالأمس شمل الله بعفوه وبقبوله ما لا يحصى من عباده الذين تقربوا إليه بما تيسر لهم من طاعة وقربة في يوم عرفة وفي ما سبقه من أيام العشر المباركة، وبالأمس نزل بالشيطان من الغيظ والحنق ما جعله في حالة من الذل والخزي لما رأى من رحمات الله المتنزلة ولما رأى من جهود جنده التي بذلوها لإغواء عباد الله وقد تهاوت فغدت هباء منثورا، فلله الحمد حَمْداً حمداً وله الشكر شكراً شكرا ونسأله برحمته وبفضله وبكرمه أن نكون ممن فاز بجوائز الأمس ويفوز بجوائز اليوم ويفوز كل يوم بفضل الله ورضاه سبحانه وبقبوله.
عباد الله في قديم الزمان ابتليت امرأة ضعيفة بتركها في واد لا ماءَ فيه ولا شجرَ ولا بشر مع طفلٍ رضيعٍ ، فتعيش أقسى حالات الألم النفسي والبدني فهي وحيدةٌ مع رضيعها، ورضيعُها لا يسكت عن الصياح جراء جوعه وعطشه وزادها القليل قد نفد فكان غاية ما بوسعها الجري من جبل إلى جبل تستطلع لعل أحداً يمرُ فينقذهم، ترجو ولم تشتك ولم تيأس واثقةٌ بأن من قضى لها ولوليدها بهذا لن يضيّعهما، ثم تبتلى هي وولدها الوحيد بإجراء لم يسبق في البشرية مثله ألا وهو الأمر بنحره كما تنحر الخراف، فيصبرا ويمتثلا، فتكون العاقبة لصبرهما ولثقتهما في ربهما أن صفوة الناس في كل زمان يسيرون على آثارهما كل عام ليُخلَّدَا وتُخلّدَ حكايتهما ويكونان قدوة وسلوة لكل مبتلى.
فلكل من يعاني قسوة أو كدرا تذكر تلك الأسرة عليهم سلام الله ورحماته وأحسن الظن بربك واصبر فستكون العاقبة خيرا مما ترتجي وتؤمل. عباد الله في مثل هذا اليوم وقف المصطفى صلى الله عليه وسلم وجِلاً على أمته مودعاً لها معلنا لها مبادئ السلام التي لا تنفك عراها أبدا، مبادئ لن يستقيم حال الأمة إلا إذا استقام أفرادها على تلك المبادئ، مبادئ ما نزل بلاء بالأمة إلا بسبب مخالفتها، أوصى صلى الله عليه وسلم بتلك المبادئ السامية وأوصى بإبلاغ تلك الوصايا لكل أجيال الأمة المتلاحقة.
أوصاهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائلا: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ} متفق عليه. فكل خِلاف ينشب بين اثنين وكل فتنة سياسية ونزاع مسلح بين طائفتين فمنشؤه الإساءة لأحد هذه الثلاثة، ولذا كانت الوصية برعايتها، اتقوا الله في أموال الناس فاحذروا الغش واحذروا الدعايات الكاذبة التي يستدرج بها البسطاء واحذروا المغالاة استغلالا للحاجة فكل ذلك حرام وإن استسلم المشتري لأسلوب البائع، اتقوا الله في أعراض وسلوكيات غيركم فلا تتحدثوا عن أحدٍ بسوءٍ إلا أن يطلب منكم شهادةُ حقٍ في المحاكم، وما جعلت الغيبة والنميمة من كبائر الذنوب إلا صيانة لوحدة المجتمع وتآلفه وتعظيما للجناية على أحد أفراده.
وأوصى عليه الصلاة والسلام قائلاً في نفس الخطبة : أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ. فارعوا شؤونهن بالخير وخوذهن نحو الخير، ارعوهن رحمة بضعفهن إن عَجَزَنَ فيُسَاعَدن ولا يُكَلَفن ما لا يطقن، وارعوهن رحمة بهن إن ضعفن عن الحق فيحزم معهن ويحملن على الحق حملا، وارعوهن رحمة بهن أن يراهن نساء أخر في هيئة ومكانة لا تليق بهن سواء في مظهر أو صحة أو علم. فعزتهن عزة للأسرة وسلامة فكرهن وأبدانهن سلامة للأسرة.
وكذلك أوصى عليه الصلاة والسلام بالوسطية حينما جاءه الفضل بحصى الجمار قال: فَالْتَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ حَصَى الْحَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي كَفَّهِ، قَالَ: بِأَمْثَالِ هَؤُلاءِ، بِأَمْثَالِ هَؤُلاءِ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ. الغلو سبب فساد الأعمال وسبب فساد القلوب وسبب فساد الديار، ولذا نهى عنه عليه الصلاة والسلام حتى في رمي الجمرات. الغلو يعني مجاوزة الحد ميلا نحو الشدة في أمر من امور الحياة عبادة أو عملا.
والغلو قد اتخذه أناسٌ كردة فعل على مظاهر فساد رأوها ومنهم من أتخذه مظهراً لتزكيةً أنفسِهم بدعوى الصلاح والزهد، واتخذه آخرون سببا للصدّ عن سبيل الله واصفين كلَ تَمَسّكٍ بسُنة هو غلو.
الغلو داءٌ خافه أناس فقصّروا وخافه آخرون فبالغوا، وعلمه أهل السنة فلم يكن مدخلا للشيطان عليهم فلا عبادة تفسد ولا علاقة تنقطع. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
في هذا الزمان انتشرت مهنة التلاعب العقول فصارت فنا تسلب به عقول الناس في مختلف المجالات، وصارت تجارة أتجّر من ورائها مرضى القلوب الماديون نفعاً لمرضى القلوب وللمنافقين والمرجفين والجشعين. فوجدنا صغارا وكبارا يخرجون عن المبادئ مهاجمين لدينهم ولأوطانهم يحتقرون مجتمعهم بتطرف مقيت بسبب تلاعب مفسد بعقولهم، ولئن كان التوجيه باختيار حصى لا يضر في رمي الجمار فلئن يكون التوجيه باختيار كلمات لا تضر حين اختلاف وجهات النظر من باب أولى، فارعوا دوما ما يؤدي الغرض بلا ضرر وكلما أمكن استخدام اللطف في الحديث والتعامل فهو الحنيفية الوسطية التي دعا إليها الإسلام وتذكروا دوما قول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً () يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } وأيضا فإن الله تعالى يقول { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } فمع القول الطيب تكن المغفرة ويكن الفوز والرزق الكريم.
وهذه دعوة لنا جميعا وسنسأل عنها يوم القيامة أن نأخذ بأيدي شبابنا ذكورا وإناثا نحو الوسطية في التعامل والصلة سواء الصلة بالله أو الصلة بالآخرين نعلّمهم:
أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما،
نعلّمهم أن الله نفى الحرج في الدين وجعل لكل إنسان حدوداً ومسئوليات لا يأثم البتة إن توقف عندها ولا يحق له ويأثم إن تجاوزها أو قصّر عنها،
ونعلّمهم أن الإسلام منع الرهبانية وأمر بالاختلاط بالناس ولو تأذى منهم يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي لاَ يُخَالِطُهُمْ، وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ. أحمد وابن ماجة وصححه الألباني.
وإننا إن لم نخالط شبابنا ونصبر على ما يصدر منهم من جفاء في الحديث ونفور من الاجتماعات فلسنا في خير وعلينا أن لا ننتظر منهم خير.
ديننا بحمد الله يأمر بالإحسان لكل كائن حي ويجعل من صيانة حياة الأحياء سببا لشكر الله له ولمغفرة ذنبه بل المساهمة في حياة نفس معرضة للهلاك هو كما لو أحياء الناس جميعا ومجرد إبعاد الأذى عن الطريق رحمة بالآخرين سبباً لدخول الجنة، حتى البهيمة وهي تساق للموت يجب أن يُحسن إليها فلا تُعنّف ولا تُروّع تساق نحو منحرها بذكر الله تسمية وتكبيرا وتهليلا وتحميدا، وإن كانت أضحيةً كما سنُقدِمُ عليه بحول الله بعد قليل فإن أمر الإحسان يتأكد أكثر إضافة لوجوب تعظيمها كإحدى شعائر الله، ومن تعظيمها وشكر الله عليها العناية بالاستفادة من كل أجزائها وكما يُتقرب إلى الله بذبحها يُتقرب إليه كذلك بالصدقة منها والمستودع الخيري يساعد في ذلك جزاهم الله خيرا، وكذلك يتقرب إلى الله في الأضحية بالإهداء للجيران وللأحبة منها وإن كان الجميع لديه الكفاية فالهدية صلة العيد.
عباد الله في مثل هذا اليوم وبعد أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خطبة العيد ضحّى بكبشين أقرنين أملحين نحرهما بيده بعد أن سمّى وكبّر واضعا قدمه الشريفة على صفاحهما أحدهما عنه وعن أهل بيته والآخر عنه وعمن لم يضح من أمته، وقال عن هذه الأيام: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ. مسلم وأحمد.
عباد الله أروا الله من أنفسكم في هذه الأيام ذكرا له سبحانه تكبيرا وتحميدا وتهليلا بعد كل فريضة وفي كل لحظة ممكنة فبهذا الذِكرُ يكون الشكر لنعمته سبحانه على ما رزقنا من بهيمة الأنعام { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } وإذ أسلمتم عباد الله أنفسكم لله فأبشروا وبشّروا وتذكروا وصايا نبيكم وحبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم وذكّروا بها ووصوا بها من أحببتم سلامته واستقامة حياته ثم صلوا وسلموا على من كانت حياته بلاغا لرسالة ربه ومن كان الشوق إليكم يملأ قلبه ومن دعا لكم وضحّى عن العاجز منكم محمد بن عبدالله أكثروا من الصلاة عليه يبلغه ربه جلّ وعلا صلاتكم وسلامكم وتفوزوا بشفاعته يوم القيامة اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وصل اللهم وبارك علينا وعلى والدينا وأزواجنا وذرياتنا وسائر أحبتنا
اللهم في هذا اليوم العظيم أسعدنا ربنا برحماتك وبسابغ فضلك واحسانك تقبلنا ربنا وتقبل منا ما قدّمنا واغفر لنا تقصيرنا وإساءتنا وإسرافنا في أمرنا وأسعدنا ربنا بصلاح وفلاح ذرياتنا وبوقايتنا وإياهم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن اللهم وأسعدنا بنصر قواتنا المسلحة وبسلامة جنودنا وبسلامة الحجيج وأسعدنا اللهم بعودة بيتك المقدس لحوزة المسلمين وأسعدنا ربنا بعودة الأمن لبلاد العراق وسوريا وليبيا واليمن وبالكتاب والسنة حاكمان في سائر بلاد المسلمين.
واحفظ اللهم إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين واجعله وأعوانه من أسباب الهدى والتقى والسعادة لنا وللمسلمين أجمعين ربنا اختم لنا مجلسنا هذا برضاك عنا وبقبولك لنا وبإرضائك لنا وصل الله وسلم على نبينا محمد
تعليقات
إرسال تعليق