خطبة الجمعة مع دخول عشر ذي الحجة 1437

الحمد لله مالك الملك ومصرف الدهر ومدبر الأمر يقلب الليل والنهار والقلوب والأبصار أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين وسراجا منيرا لراغبي الوصول إلى جنات رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأهل سنته ممن التزم نهجه وسار على أثره إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
 فيناديكم ربكم رحمة بكم وحبا لكم ورجاء الخير لكم فيقول سبحانه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } فاستجيبوا نداء ربكم تفلحوا وتفرحوا، وذلك بأن يطاع فلا يُعصى, ويُشكَر فلا يكفر, ويُذكَر فلا ينسى, داوم عبد الله على تمسكك بإسلامك إلى آخر حياتك باستغفارٍ دائمٍ وتوبةٍ عند كل زلة وذِكرٍ عند كل غفلة ورعايةٍ لكل فريضةٍ وسنةٍ لتلق الله وأنت مسلم على خير حال فتفرح وتهنأ وترضى. 
عباد الله إن من نِعَمِ الله تعالى على عباده أن يمدّ لهم في أعمارهم وأن يهيئ لهم أسباب اللحاق بمن سبقهم وأن يهبهم ما يجبر نقصا وخللا لحق بهم وما يضاعف لهم موازين أعمالهم ويرفع منازلهم، ومن ذلك عشر ذي الحجة التي أطلت بخيراتها، هي أيامٌ معدوداتٍ عظيمات فيها نفحاتٌ إلهية تَهبُ وتتنزل من سارع لتلقفها سَعُدَ في دنياه وفي أخراه، هي أيام أقسم الله بها ويكفي هذا شرفا لها وتبياناً لعظمتها، هي أيامٌ وصفها الحبيبُ المصطفى عليه الصلاة والسلام بأنها أفضلُ أيام السنة وبيّن أن العمل الصالح فيها أحبَ إلى الله تعالى من العمل فيما سواها وكفى بهذا دعوة وحثا على اغتنامها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لقد آتى الله تعالى هذه الأيام مزية وفضلا وآتى المؤمنين فيها منه أجرا عظيما وفضلا واسعا، وخصّ من استغل هذه الأيام بنعمة القبول والرضا والاستجابة لكل ما سأل وتمنى. 
ومن أدرك هذه الأيام وهو في أمن وأمان وصحة  وعافية وتفرغ من الأعمال فإنه يعيش اختباراً إيمانياً عظيما عليه أن يسأل الله التوفيق فيه والإعانة عليه. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ e أَنَّهُ قَالَ مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ، قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ} البخاري 
وإن من الحرمان أن يُحرم المسلم العمل الصالح هذه الأيام العظيمة فتضيع منه هذه الهبة الإلهية والمكرمة الربانية في سهر ولهو ونوم وغفلة وتتبع صيد أو في تشاغل ببرامج التواصل أو تنقل بين البلدان ترفاً وتبذيرا. 
ومن أهم العمل الصالح فيها الحج، نداء الله الذي أعلنه خليل الله إبراهيم عليه السلام وجاء صفي الله وخليله محمد صلى الله عليه وسلم ليجدد النداء ويحي مراسمه التي اندثرت، ومن العمل الصالح المحافظة على المأمور به من العبادات والطاعات ففعل المأمور أولى من ترك المحظور وأولى ثم أولى من فعل المسنون عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ. متفق عليه. 
ومن العمل الصالح الذي لا يعذر مسلم إن فرّط فيه في هذه الأيام: الذِكرُ، فلعظمة الذِكر وأهميته أكّد عليه الله تعالى بقوله { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ () الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} بل وجعل الذكر شعارا للحجاج كما قال سبحانه وتعالى { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ } وجاء في الحديث: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلاَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ  وَالتَّحْمِيدِ}. 
ومن العمل الصالح صيام ما استطعنا من هذه الأيام فإن الصوم من أحب العمل إلى الله والعشر من أحب الأيام عند الله والصوم مضاعف الثواب أصلا فكيف سيكون في أيام يُعظم الله فيها العمل كافة. ومن أفضل الأعمال في هذه العشر نحر الأضاحي قربة لله تعالى وإحياء لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام، والأضحية شعيرة من شعائر الله فعظّم الشعيرة بانتقائها وباحترامها وبرعايتها يعظم الله لك الأجر، ومن تعظيم هذه القربة الكف لمن أراد ان يضحي عن أخذ شيء من شعره وأظافره حتى ولو أزعجت وأقلقت عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ قالت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ} مسلم ولا تستهن بهذا التعظيم فإنه يُعد من شعائر هذه الأيام والله يقول { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} فعظّم عبدالله هذه الشعيرة وأظهر لهذه الأيام ولهذه القربة خصوصيتها فإن أردت الأضحية فكف عن أخذ شيء من الشعر والأظافر حتى تضحي وصم ما تيسر لك وأكثر من الذكر وسعد وجهدك جعل الله هذه الأيام بركة علينا وبارك لنا فيها وفي سائر الشأن وغفر لنا ولوالدينا وأزواجنا وذرياتن وسائر احبابنا والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والشكر له سبحانه على توفيقه وامتنانه ونسأله جل جلاله المزيد من فضله والفوز بمرضاته واللحاق بأوليائه والصلاة والسلام على النبي المجتبى والحبيب المصطفى محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله 
فإن الأضحية تصح ولا ينقص من أجرها شيء وإن لم يلتزم المضحي بالامتناع عن الأخذ من الشعر والظفر ولا يقال بإثم من أخذ، ويفرق بين العالم والمتعالم أن العالم يعلم المصلحة فيما يطرح فيراعي أسلوب ووقت ومجتمع الطرح ويترك العامة لمن وكل الله إليهم أمرهم فلا يطرح على الناس ما يشككهم في دينهم من معلومات تناقض ما عرفوه ولا مصلحة لهم في معرفته، ولقد ابتلي المسلمون اليوم بتعالم الكسالى فأخذوا بغير علم ولا بصيرة ينقلون من خلاف الفقهاء ما يثير شك المسلم البسيط في دينه، حتى صرنا نسمع بمن يُشنّع على من امتنع عن أخذ شيء من شعره لأجل الأضحية بأنه مخدوع لا يعلم الحق بل ويُشنّع على من صام غير يوم عرفة بدعوى أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله! 
أو لا يكف المسلم أنه مدعو من قبل ربه ومن قبل نبيه للعمل الصالح في هذه الأيام؟ وهل الصوم عمل غير صالح؟ وهل الكف عن أخذ شيء من الشعر تعظيما لعبادة نحر الأضاحي عمل غير صالح؟ ثم هل من احتج بعدم ثبوت صيام النبي صلى الله عليه وسلم يلتزم بصيام ما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام صامه؟ أم هي مجرد حجة كسول يبرر كسله ويثبط الناس ويشككهم في دينهم ليشاركوه خسارته؟ 
عباد الله في هذه الأيام المباركة اتقوا الله في عباد الله فلا تشككوهم في ما عرفوه من دينهم ما دام أنهم في خير وعلى خير وما دام أنهم لم يقعوا في خطأ ولا مشقة عليهم في ما عملوا وخصوصا والثواب مضمون لهم إن صلحت نياتهم، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. 
عباد الله أكثروا من العمل الصالح هذه الأيام أكثروا من صلاة النافلة وبالأخص في النهار كسنة الضحى والسنن الرواتب وأربع ركعات قبل صلاة العصر فقد ثبت عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رحم الله امرأ صلى أربعا قبل العصر، وكذلك ركعتين قبل صلاة المغرب فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ. خَشْيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. البخاري. وصلاة الوتر تظل هي من أفضل ركعات النوافل، أكثروا من السجود والدعاء فإنه ما من سجدة إلا وهي ترفع صاحبها درجات وما من دعوة إلا ولها أبواب مفتحة وربٌ قريب يسمع فيجيب. وإن من العمل الصالح برٌ الوالدين بأنواعه والبر هو بسمة تدخلها عليهما في حياتهما ودعوة وصدقة تلحقها بهم بعد موتهم، ومن العمل الصالح البسمة تدخلها على كل من لقيت وكل من راجعك تقدمها صدقة منك عليهم. 
وفي العشر المباركة حيث رضا الله وقبوله وحيث أبوابه المفتحة للتوبة والدعاء والمسألة، لنجعل لأنفسنا خبيئة من عمل صالح لا يعلمها أحد صدقة خفية ولو قلّت ودعوة لأخ حبيب وصديق بظهر الغيب فالدعاء هو أفضل ما يُقدم للمسلمين اليوم حيث الفتن بأنواعها فتن الخير وفتن الشر ولا سالم منها إلا من حفظه الله بعمل صالح قدّمه أو بدعوة من أحبته. عباد الله في هذه الأيام التي عظّمها الله تعالى فإنه سبحانه يُعظّمُ كذلك كل قلبٍ أقبلَ فرِحاً راغباً ويبادل سبحانه تلك الرغبةِ والفرحةِ رغبةً وفرحاً منه سبحانه ويقابل ذلك الإقبال مشيا وهرولة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً . متفق عليه عباد الله الزمن فاضل وقد لا يعود علينا فأكثروا فيه من العمل الصالح سرا وجهرا واجعلوا من أنفسكم أولياء لله بالتقرب إليه بصالح العمل يجعلكم من أوليائه ويلحقكم بالصالحين .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل