خطبة الجمعة الحثّ على الزواج
الحمد لله رب العالمين خلق الإنسان فسوّاه وعدله وصوّره فأحسن صوره وهو العزيز الحكيم أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله بعثه رحمة وبشارة للناس أجمعين فهو قدوة المؤمنين وهو سيد الأولين والآخرين وهو صفي وخليل رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله
فيقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }
عباد الله إن من يتأمل في كتاب الله تعالى ليجد أنه سبحانه قد اعتنى عناية بالغة بالحياة الزوجية، حثّ عليها سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله، وتولى جلّ جلاله بنفسه تنظيمها بداية ونهاية وما بين ذلك وجعل نبيه الكريم معلما وشارحا لتلك التنظيمات، أكد سبحانه على سمو العلاقة بين الزوجين وأنها تعلو على كل الحاجات الدنيوية من مال ووجاهة ومكانة ألم تر إلى قوله تعالى { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً () وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } أبعد تلك العلاقة تنظر للمال؟ تعجيب إلهي يوحي بسمو العلاقة وعظمتها.
من عنايته جل جلاله بالحياة الزوجية أن جعل نبيه الحبيب عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة لكل من أراد تحقيق بيتا سعيدا فبالرغم من أنه بيته عليه الصلاة والسلام هو أفقر بيوت المدينة إلا أنه أكثرها سعادة . في الحث على الزواج يقول ربنا تبارك وتعالى { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ذكر الله تعالى هذا التوجيه بعد أمره سبحانه وتعالى للمؤمنين وللمؤمنات بغض البصر وبحفظ الفرج، وهنا يعد الله تعالى من أراد الزواج ليُعفّ نفسه أن يغنيه من فضله، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَلاَثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمْ : الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَالمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفَافَ. وفي الحديث الآخر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : حق على الله عون من نكح التماس العفاف عما حرم الله. وعن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ. متفق عليه وما هذه الوصية النبوية بالزواج لمن لديه القدرة الجنسية ويعاني الفقر إلا تفاعلا منه عليه الصلاة والسلام مع وعد الله لطالب العفاف أن يغنيه،
وكذلك يقول جلّ وعلا { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فتشجيعاً منه جلّ وعلا على الإقدام على الزواج يخبر سبحانه أن في الزواج نِعمٌ عدة منها سُكون النفس وراحتها بالاجتماع مع الشريك، وكذلك يخبر جل جلاله تشجيعاً للمتخوف من الزواج أنه سبحانه يهب الزوجين حين اجتماعهما مودةً ورحمةً، مودة تكسر الحواجز النفسية بين الغريبين وتمنعهما من تحمل الفراق إن طال، ورحمة تحملهما على خدمة بعضهما وعلى التغاضي عن أخطاء وتقصير بعضهما، مودة ورحمة تعينهما على تناسي الهفوات وبدء صفحات جديدة بعد كل توتر وخلاف.
عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة. مسلم. وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : أربع من السعادة : وعدّ منها المرأة الصالحة. إذن فمن طلب العفاف لنفسه ورجا تكوين أسرة ورغب في تحقق السعادة فليقدم على الزواج ولا يحمل همّ تكاليف المعيشة لأن الله سيتكفل بها -أقول تكاليف المعيشة وليس العبث والترف - ومن طلب العفاف لنفسه ورجا تكوين أسرة فلا يحمل همّ التوافق الروحي مع شريكه فالله سيحلل في قلبيهما من المودة والرحمة ما يحقق لهما ذلك التوافق، فقط اعقد العزم أيها واختر الشريك الذي يحمل جملة من المقومات التي وضعتها في ذهنك فثمة السعادة المنشودة، واحذر الغلو والتفريط، الغلو في اشتراط القيم والمقومات والتفريط فيها يقول عليه الصلاة والسلام محددا القيم والمقومات في الشريك: تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ. متفق عليه. فهذه الأمور الأربع كلها معتبرة ويجب النظر فيها جيدا واختيار من حازت على جملة منها ولكن يجب الحذر ممن قلّ الدين في أسرته أو أسرتها فإن خصال الجمال والمال والنسب قد تطغي وتفسد الحياة بما تجلبه من كبرياء وسطوة وفسق إلا الدين فإنه سبب صلاح الحياة لما يبعثه في النفس من دواعي الصبر والتحمل والتغاضي والصفح.
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه أحمده سبحانه وأشكره واثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله
فأمرٌ يحث الله تعالى عليه ويدعو إليه ويجعل الإعانة عليه حقا واجبا عليه سبحانه لأمرٌ يدعونا للتفاعل معه حثاً للشباب عليه وبذلاً للأسباب الميسرة لفوزهم به، وذلك بدعوتهم إليه والدعاء لهم بالهداية إليه وتبيان موعود الله لهم فيه، ثم بإعانتهم على تحديد مواصفات الشريك المطلوبة وكذلك إعانتهم بتخفيف تكاليفه عليهم، المهر لم يعد مشكلة تؤرّق الزوج فالكل إلا من شذّ وهم قلة لا يُذكرون- الكل يترك تحديد المهر للزوج ويؤكد على رفضه للمبالغة فيه، ولكن تبقى المشكلة هي الحرص على الظهور بمظهر الكمال والقدرة الاقتصادية الجيدة خصوصا إذا كانت الأسرتين غير متداخلتين وهنا دور الحكماء في الأسرتين ليتعبدوا الله ويتقربوا إليه بتخفيف ما يمكن تخفيفه وبإلغاء ما يمكن إلغاؤه من تكاليف وتبعات. عن ابي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني تزوجت امرأة فقال: كم أصدقتها ؟ فقال أربع أواق فقال صلى الله عليه وسلم: أربع أواق ! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل. مسلم.
ولأهمية الزواج سُنّ أن يعمل له وليمة خاصة به وأن لا يقل ما يذبح فيها عن ذبيحة واحدة ويحرم أن يتجاوز الطعام فوق كفاية المدعوين فيصل إلى حد الفخر والتباهي، ويجب على من دُعي إليها حضورها وتناول طعامها ما لم يكن ثمة مشقة ولا منكر جليّ، فإن وُجد المنكر وجب الخروج من مقر الحفل، ولمعرفة المنكر الذي لا يجوز البقاء معه أنصح بقراءة كتاب الكبائر للإمام الذهبي فما ذكره من كبيرة بدليل صحيح صريح فهو كبيرة لا يجوز البقاء معها وما لم يذكره أو ذكره والدليل مختلف فيه فاستفت فيه قلبك، وانتق نسخة من الكتاب محققة مصححة فإن الكتاب مع كثرة الناسخين له قديما قد دخله خطأ و نقص فاعتن بنسخة محققة معتمدة، ولا تحكم على ما تراه أنه منكر بسبب أنك لم تعتده أو لما رآه من لا يفترض أخذ رأيه، بل تعلم واعمل بما تعلمت.
عباد الله الزواج مناسبة سارّة مُفرحة يجب إظهار الفرح فيها لأمره عليه الصلاة والسلام بذلك، فتزوجوا أيها الشباب أخذا بوصية نبيكم وحبيبكم عليه الصلاة والسلام حيث يقول تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، وأعلنوا الزواج واعتنوا بالاختيار فالسعادة مع المرأة الصالحة التي هي خير متاع هذه الدنيا، واعلموا أن الإعانة الإلهية هي لمن طلب العفاف لا لمن طلب الزيادة وإن كان فضل الله واسع لا يحد.
تعليقات
إرسال تعليق