درس من القرآن للتعامل مع الاستفزازات

 الحمد لله الولي الحميد مالك الملك المدبر الحًكم العزيز الحكيم أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وإمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله 
يقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ () وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } 
قال أهل التفسير حول هذه الآية (وجاهدوا أنفسكم، وقوموا قيامًا تامًّا بأمر الله، وادعوا الخلق إلى سبيله، وجاهدوا بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم, مخلصين فيه النية لله عز وجل، مسلمين له قلوبكم وجوارحكم، هو اصطفاكم لحمل هذا الدين، وقد منَّ عليكم بأن جعل شريعتكم سمحة, ليس فيها تضييق ولا تشديد في تكاليفها وأحكامها, كما كان في بعض الأمم قبلكم, هذه الملة السمحة هي ملة أبيكم إبراهيم، وقد سَمَّاكم الله المسلمين مِن قبلُ في الكتب المنزلة السابقة, وفي هذا القرآن، وقد اختصَّكم بهذا الاختيار; ليكون خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم شاهدًا عليكم بأنه بلَّغكم رسالة ربه, وتكونوا شهداء على الأمم أن رسلهم قد بلَّغتهم بما أخبركم الله به في كتابه، فعليكم أن تعرفوا لهذه النعمة قدرها، فتشكروها, وتحافظوا على معالم دين الله بأداء الصلاة بأركانها وشروطها, وإخراج الزكاة المفروضة, وأن تلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى, وتتوكلوا عليه, فهو نِعْمَ المولى لمن تولاه, ونعم النصير لمن استنصره.) أ هـ من التفسير الميسر
ولأجل هذه النعمة نعمة الدين الحنيف ونعمة اجتباء الله واختياره لنا فإننا محسودون وهناك من يعمل جهده سراً وجهراً ليلاً ونهاراً ليُفسد علينا هذه النعمة. { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ } ويقول جلّ جلاله { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } 
فالسعي والأمل منهم لإفساد النعمة علينا لا حدود له، ولكن لردّهم بغيظهم علينا قمع الشيطان وقمع أنفسنا الأمّارة بالسوء وأن لا تستفزنا تلك الإساءات فنرتكب حماقة تمنحهم ما يريدون وتهيئ لهم الأسباب إلى إساءة أكبر ثم إلى فتنة أكبر أو أن نحقق لهم مرادهم فنترك ما نحن عليه من خير، وقد نبّه الله تعالى على هذا الأمر في كتابه الكريم عدة مرات { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ } { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ () إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } . 
يقول سبحانه وتعالى { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } أي لَتُخْتَبَرُنَّ -أيها المؤمنون- في أموالكم بإخراج النفقات الواجبة والمستحبَّة, وبالجوائح التي تصيبها, وفي أنفسكم بما يجب عليكم من الطاعات, وما يحلُّ بكم من جراح أو قتل وفَقْد للأحباب, وذلك حتى يتميَّز المؤمن الصادق من غيره. ولتَسمعُنَّ من اليهود والنصارى والمشركين ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والطعن في دينكم. وإن تصبروا -أيها المؤمنون- على ذلك كله, وتتقوا الله بلزوم طاعته واجتناب معصيته, فإن ذلك من الأمور التي يُعزم عليها, وينافس فيها. أ هـ من التفسير الميسر. 
حينما يفرح المؤمنون بحدث لهم فيه خير عظيم كرمضان مثلا أو حلقات تحفيظ القرآن أو انتصارات لمسلمين وغيرها فإن المنافقين ومرضى القلوب تستفزهم تلك الفرحة فيُجلبوا على المسلمين بخيلهم ورجلهم بتغريداتهم بقنواتهم بمسلسلاتهم بفسقهم وفنهم وعفنهم يستغلوا كل خطأ وكل جريمة يرتكبها منحرف وكل موقف يتخذه العدو لينفثوا سمومهم وليفسدوا تلك الفرحة وليقوفوا ذلك النشاط الذي جلب تلك الفرحة، وليس هذا بجديد ولا غريب فعلينا الصبر التزاما بأمر الله وعلينا الابتعاد عن المجالس التي تجلب لنا الغمّ وتثير الهمّ،  فتجنبهم وتجنب قنواتهم ومواقعهم لا تدخل محّالهم ولو قصدت جدالهم فتفسد على نفسك نفسيتك وحياتك وتنشغل عن مهامك بجدال عقيم لا ثمرة له ولو لبّس عليك الشيطان بإقامة الحجة عليهم، فلقد توكل الله تعالى في ملكه بتولي كفاية المسلمين شرهم ووكّل سبحانه من ينوب عنك في مهمة إقامة الحجة ولا إثم عليك إن قصّر، دع تويتر وتوتره وبرامج التواصل وفتنها لا تشغلك عن نفسك، والزم ما أمرت به من عبادة وما أنت فيه من خير دعوي وعلمي واجتماعي واعتن بنفسك طوّرها علميا وثقافيا وتربويا ثم عد بتلك الحصيلة لنفع أسرتك ومجتمعك المحلي. يقول سبحانه وتعالى { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ () وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ () وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }



الحمد لله وفى والصلاة والسلام على النبي المجتبى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله كانت تلك شيئا من التوجيهات الربانية حول ما يجب على المسلم فعله تجاه تلك الاستفزازات التي يقوم بها مرضى القلوب بدعم من الكفار والمنافقين علينا تقوى الله في كل شؤوننا وفي تلك الاستفزازات التي ينثرها مدعو الفكر والتنوير فما نحن إلا حلقة من حلقات سلسة هذا الدين العظيم، تلك السلسة التي ربط حلقاتها محمد صلى الله عليه وسلم فنتمسك بما مضى عليه سلفنا من خير وحق وسماحة ويسر، نعلن قولا وعملا أننا أهل دين لا يقبل الشرك ولا يتهاون فيه ولا يتنازل عن الصلاة وتعظيمها ونعلن أن في ديننا فسحة من فرح ولهو، وأنه هو دين إفراد الله بالعبادة ودين سماحة وعفو وتسامح دين حب وسلام للمسلمين ولغيرهم ممن لم يرفع عليهم السلاح، من أحب الإسلام وتعلق بني الإسلام ورغب في ملاقاته والحشر معه ودخول الجنة بصحبته فلينظر كيف تعامل مع أهله وكيف تعامل مع صحبه ومع عدوه كيف تعامل مع من أحب مجالسته ومن كره مجالسته كيف تعامل مع المنافق الذي عمل على تفريق صحابته واستفزه حتى في عرضه الشريف كيف تعامل مع المشركين ومع اليهود كيف ساكنهم في المدينة وتعامل معهم بيعا وشراء واقتراضا منهم هو نبي الإسلام ولن يقوم الإسلام في نفس مسلم لا يتخلق بخلقه

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل