خطبة حول فضل صلاتي الوتر والضحى

الحمد لله الغني الكريم العزيز الحكيم الودود ذي العرش العظيم والشكر له جلّ في علاه ما تعاقب الليل والنهار وما توالت النعم في سائر الشأن، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده وصفيه ورسوله للناس أجمعين الشاهد البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله بتجديد التوبة والاستغفار كل حين إن علمتم زلة وقعتم فيها أو لم تعلموا فنبيكم عليه الصلاة والسلام المغفور له والمعصوم من الزلل يستغفر الله ويتوب إليه في كل يوم أكثر من سبعين مرة، ولو لم يكن ثمة فائدة فتجديد التوبة سوى تجديد صلة القلب بالخالق جلّ وعلا لكفى به فضلا ومغنما وزادا في الدنيا والآخرة. أيها الأحبة لقد علمنا بما حواه كتاب ربنا وسنة نبينا مدى حب الله لنا وعنايته بنا وخوفه علينا وكيف أنه سبحانه ربط نجاتنا وقيّد فوزنا بالأسباب الجالبة للنجاة وللفوز، وإن من الأسباب التي أولاها الله تعالى عناية بالغة هي الصلاة ولست أعني الصلاة المفروضة فهي معروفة مكانتها وأهميتها ودورها في حياة المسلم في الدنيا وفي الآخرة وإنما أعني صلاةً زادها الله لنا، صلاةً رتّب سبحانه عليها فضلاً عظيماً وجعلها مغنماً بل كنزاً ثميناً لا ينفد ولا يتغير، بل الحياة تتغير تبعا لنسبة الأخذ منه، هما صلاتان نافلتان يتوّج بهما المسلم سجله ويثقّل بهما ميزانه ويستجلب من خلالهما لنفسه الخير الحاضر والقادم، إنهما صلاة الضحى وصلاة الوتر، وإن في القسم الإلهي بالضحى والليل إذا سجى إشارةً لهما فهما أوقات غفلة والصلاة فيهما صلة، والصلة زمن الغفلة تعطى أهمية كبرى وتنبئ عن منزلة عليا. أما صلاة الوتر فهي كما قال الإمام الشعبي: الوتر تطوع وهو من أشرف التطوع،  ولتدرك كم هي مهمة وعظيمة صلاة الوتر تأمل مستوى التزام النبي صلى الله عليه وسلم بها فقد ثبت أنه لم يكن ليدعها لا في سفر ولا في حضر، وثبت أنه كان إن تعب فلم يصلها قضاها في الضحى، ولولا علمه بأهميته ومكانتها لما كلّف نفسه بهذا الالتزام حتى في السفر ونعلم مشقة السفر آنذاك بل لو لم يكن على علم بيّن بمكانتها لما قضاها، جاء في الحثّ على صلاة الوتر قوله عليه الصلاة والسلام: إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلاَةً، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى صَلاَةِ الْفَجْرِ. وفي رواية قال : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ زَادَكُمْ صَلاةً، فَحَافِظُوا عَلَيْهَا، وَجَعَلَ وَقْتَهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ وَهِي الْوِتْرُ . أحمد وابن حبان وغيرهما وصححه الألباني. وقال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ. الترمذي وأحمد وابن ماجة وصححه الألباني. وقال عليه الصلاة والسلام: الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ. أبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه الألباني. وقال عليه الصلاة والسلام: مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ وَإِذَا اسْتَيْقَظَ. الترمذي وابن ماجة وأحمد ومالك وصححه الألباني.وصلاة الوتر هي إحدى الوصايا التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم خاصة أحبته وصفوتهم حاثا إياهم على لزومها والعناية بها، ولهذا كان أهل العلم رحمهم الله على خلاف في مسألة وجوب صلاة الوتر من عدمها فالحنفية يرون الوجوب بينما يرى الحنابلة والمالكية والشافعية أنها سنة مؤكدة ولكنهم مع أنهم يرونها سنة مؤكدة إلا أنهم يؤكدون عليها تأكيدا شديدا ويحذرون من تركها فعند المالكية وأحمد رحمهم الله أن من لا يصلي صلاة الوتر أبدا أنه رجل سوء لا تقبل له شهادة . صلاة الوتر يبدأ وقتها من بعد صلاة العشاء حتى آذان الفجر، ولو جمع مسافر صلاتي المغرب والعشاء في وقت المغرب فله أن يوتر بعد صلاة العشاء، وكلما تأخر وقت فعلها كان أفضل. والأفضل والأعلى درجة فعلها بعد نوم فهذه الحال أثنى عليها الله تعالى وخصها بالذكر بقوله تعالى: { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً } أي العبادة التي تنشأ في جوف الليل هي أشد تأثيرًا في القلب, وأبين قولاً وأصدق دعاء وذلك لفراغ القلب مِن مشاغل الدنيا. إن لأهل الوتر خصوصية عن غيرهم حيث اصطفاهم الله وانتقاهم وقرّبهم إليه بهذه الصلاة بخلاف طوائف عدة { كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ } 

الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير بما هو أهله لا أحصي ثناء عليه كما أثنى هو على نفسه وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله ويبقى الحديث عن صلاة الضحى فبها أوصى النبي صلى الله عليه وسلم صاحبيه أبا هريرة وأبا ذر رضي الله عنهما سماها النبي عليه الصلاة والسلام بصلاة الأوابين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أوّاب قال: وهي صلاة الأوابين. ابن حبان والطبراني.  وهي في فضلها تعدل أعمالا كثيرة وبها يوفّيَ المسلم شكر حقوق واجبة عليه كل صباح جراء سلامة أعضائه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنَ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ حِينَ يُصْبِحُ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ سَلاَمَكَ عَلَى عِبَادِ اللهِ صَدَقَةٌ ، وَإِمَاطَتَكَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ، وَإِنَّ أَمْرَكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَإِنَّ نَهْيَكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ ، وَحَدَّثَ أَشْيَاءَ مِنْ نَحْوِ هَذَا لَمْ أَحْفَظْهَا. وفي الصحيح  عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى } مسلم. ويبدأ وقت صلاة الضحى من بعد عشر دقائق شروق الشمس وينتهي إذا بقي عشر دقائق على آذان الظهر وافضل وقت لها حين اشتداد الحرارة عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلاة الأوابين حين ترمض الفصال } مسلم. والرمضاء الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس أي حين تحترق أخفاف الفصال وهي الصغار من أولاد الإبل جمع فصيل وذلك من شدة حر الرمل. وتختلف صلاة الضحى عن صلاة الليل أنها لا تفعل في السفر وانها خفيفة لا تطول وأنها مثنى مثنى و تامّة خفيفة لا تطال القراءة فيها، وكان عليه الصلاة والسلام يصلي أربعا وأحيانا ثمان. ورد عند الطبراني والترمذي عن أبي ذر وأبي أمامة وأبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم، أن : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ.
اللهم اجعلنا من الأوابين واجعلنا وذرياتنا وأهل بيوتنا وأحبتنا من مقيمي الصلاة الذين أحببت قيامهم بين يديك يناجونك ويسألونك فتحبهم وترضى عنهم وتعطيهم ما يرضيهم. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل