رمضان والعمل الحيري 1437

 الحمد لله الغني الكريم المنعم العلي الكبير أشهد ان لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، نبيه بعثه بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في صغير الأمر وكبيره وفي حال السر والعلانية فبذلك تكثر التوبة التي هي أكبر محبوب عند الله تعالى فيحبكم الله واتبعوا الرسول يحببكم الله. عباد الله ما أن يتصفح المسلم كتاب ربه جلّ وعلا إلا ويجد كثرة التحذير من الدنيا مثلا يقول الله تعالى سبحانه { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ومثل قوله جلّ جلاله { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ } والنصوص في هذا الجانب عديدة في الكتاب والسنة ولكننا نجد أيضا في الكتاب والسنة ما يشير إلى أن التمتع في الدنيا وتحصيل شهواتها الستة أمر فطري كما قال جلّ في علاه { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } لدينا كمسلمين يقين تامٌ بعدم تناقض النصوص الشرعية، وحين نقتنع بأن حب الدنيا أمر فطري ونسمع كثرة التحذير من الدنيا نوقن بأن التحذير ليس من هذه الفترة الزمنية التي نعيشها قبل الموت وإنما التحذير هو من جانب آخر هو من عدم اتخاذ هذه المحبوبات سببا للقرب من الله تعالى وعونا على كسب رضاه. المال كان ولا زال محركا للسياسات الدولية وللأفكار والتوجهات الشخصية، هو يكشف حقيقة ما في القلب من تقى وإيمان ومستواهما، وإن مما يحذر الله تعالى منه هو أن يكون المال ودعوى المحافظة عليه سببا في البعد عن الله تعالى وسببا في إضاعة سبيل من سبل تحصيل رضاه جلّ وعلا.
في رمضان كان النبي صلى الله عليه وسلم وعامة الأمة سلفا وخلفا يجعلون من المال مطيةً لهم لكسب رضا الله تعالى وشعارا لهم يبين صدق التزامهم بتحذيرات الله تعالى من الدنيا وذلك من خلال إطعام الطعام بالدرجة الأولى فتجد المسلمين قد جعلوا من الإطعام لمن حولهم صفة وخلقا لهم ومظهرا من مظاهر حياتهم عامة ورمضان خاصة ففي رمضان يتنافسون فيه ويتسابقون إليه، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم : فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ. فإنه لم يفرق بين إنسان ولا حيوان ولا بين غني ولا فقير ولا بين مسلم ولا كافر، وحينما قال عليه الصلاة والسلام: مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ . فإنه لم يفرق بين غني ولا فقير ولا صغير ولا كبير ومن هنا نفهم أن المسلم مأجور على البذل ما دام في صورة إحسان للآخرين بغض النظر عن حال المبذول له. فإن اتخذ المال حجة لمنع أو لتقليص العمل الخيري كانت هذه الحجة وكان الخوف على المال منافيا لذلك المظهر الإسلامي المميز كان هذا العمل ابتعادا عن الله جلّ وعلا ، أما إن كانت المطالبة هي في منع الإسراف وفي تقليص النفقات وتوجيهها الوجهة الصحيحة فالحجة قوية والمطالبة سببا للقرب من الله تعالى والكل يؤيدها.
تفطير الصائمين شعار للمسلمين في رمضان ومفخرتهم وسباقهم مع بعضهم في كل عام وعبر كل أجيال الإسلام، ومن أعظم ما حمده الله تعالى من العمل الصالح هو إطعام الطعام بل وبيّن سبحانه أن من أسباب دخول النار هو عدم إطعام المسكين بل أخبرنا جلّ وعلا وهو مالك الملك ومدبر الأمر أن التفكير والتخطيط والسعي للحفاظ على الثروة من خلال منع الصدقة كان السبب في ضياع الثروة على أهلها أهل الجنة كما في سورة القلم وأخبرنا الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام أنه ما نقص مال من صدقة بل تزده بل تزده وبالطبع لا ننسى أن الله جل وعلا أخبرنا أن الإسراف والإنفاق غير المنظم سبب لفساد النعمة وحلول العقوبة وبالتأكيد ضياع المثوبة. عباد الله لا يصدنكم صوت لم يعرف بخير عن خير شرعه لكم ربكم فأطعموا الطعام وساهموا في برامج الإطعام المنظمة واتقوا الله لا تنقلوا ما يثبط الناس ويحبطهم عن الخير فكم من كلمة قيلت أو نقلت لم يتثبت منها كان ثمنها هويا في نار جهنم وكم من كلمة دعت لتنظيم وتجويد العمل كانت العاقبة الحسنة ثمرة لها فاتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة وافعلوا الخير لعلكم تفلحون  


الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فإن للأيام الجميلة واللحظات السعيدة ثمنا عجيبا فهي تبث الحياة في الحياة وتبث الصحة في الأجساد وتسكن الطمأنينة في القلوب ولكن لجمالها وللسعادة التي تحملها ثمنا آخر قد يكون مؤلما بل هو مؤلم ألا وهو نقلها لنا نقلا سريعا نحو مصيبة الموت تلك الساعة التي لا نعلم متى هي ولا أين سيكون موقعها، وإن من رحمة الله تعالى بنا أن مرت علينا أيام رمضان سريعة لسعادة نعيشها ولجمال حياة نتمتع به، وحبا من الله تعالى لنا ورحمة منه بنا وخوفا منه علينا عوّضنا سبحانه عما قد نفقده في تلك السرعة في تنقل الأيام والليالي بأزمنة فاضلة وها هي تاج الليالي وزهرتها بدأت تشرق علينا بنورها وإن خفت نور القمر أو غاب، ليالي العشر الأخيرة من رمضان كلها ليالي نيّرة مباركة وفيها ليلة هي كالعروس بينهن ليلة القدر ليلة خير لك من ألف شهر، هي إن وفقت لها كانت زيادة لك في التحصيل والكسب الأخروي بمقدار ثلاث وثمانين سنة، ثلاث وثمانين سنة تضيفها كل عام إلى عمرك إلى رصيدك، هي ليلة لن تدركها ولن تفوز بها إلا إذا قمت ليالي العشر كلها ولهذا أخفاها الله تعالى ليتبين الجّاد من المتهاون في طلبها.

تقربوا عباد الله إلى الله في ما بقي من رمضان بنية قيام العشر كلها وتقربوا بالدعاء بالفوز بليلة القدر وتقربوا إلى الله بما يحبه الله من صالح العمل من صلاة ومن تلاوة للقرآن ومن نفقة سر ومن قيام مع جماعة المسلمين بين يدي رب العالمين، تقربوا بكثرة قول لا إله إلا الله وبكثرة قول اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، تقربوا إلى الله بتذكر والديكم ببر ومحاولة رد جميل بدعوة وصدقة، تقربوا إلى الله بأن لا يرحل شهر القرآن ولم يُختم القرآن على الأقل ولو لمرة واحدة فإن النعيم الذي نعيشه والفراغ الذي يملأ الحياة هو حجة وسنسأل عنه. عباد الله إن في رمضان وصيامه لسر خاص سر يمنح التقوى للنفوس ويجلب رحمات الله التي تصعد بالنفوس إلى منازل النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين يقول الله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً () وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً () وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً () وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } اللهم أنعم علينا وعلى والدينا وأزواجنا وذرياتنا بالاجتماع في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل