خطبة الجمعة الطمأنينة في الصلاة

الحمد لله الملك العلي القدير الولي الحميد البر الرحيم القريب الرقيب أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأشهد أن محمد بن عبدالله عبده ورسوله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه، اعلموا أن الله قريب رقيب يعلم السر وأخفى فاستشعروا حضرته وعلمه واطلاعه، عظّموا لحظات الجلوس في حضرته واحذروا التفريط في فُرص إقباله عليكم واستماعه لكم، هذا وإن أعظم اللحظات التي يقترب فيها العبد من ربه ويقبل عليه فيها ربه هي الصلوات، حيث يقبل الله بوجهه العظيم على عبده الضعيف يستمع له ويعلق بإعجاب على ثنائه ودعائه واستغفاره، فما من كلمة تقال في الصلاة إلا والله مستمع لها مصغي لصاحبها مبديا للملائكة إعجابه بها عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تعالى قسمت الصلاة بين وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال مجّدني عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل} مسلم. وقس أذكار بقية الصلاة على ما ورد في سورة الفاتحة فالله مقبلٌ على عبده المصلي مستمعٌ له معجبٌ بفعله إلاّ ان يكون المصلي الداعي غير مبالٍ بتسبيحه ولا منتظرٍ إجابة دعائه وغير مهتمٍ بمن هو في حضرته، ورد الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ : إنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ أَوْ يُحْدِثُ حَدَثَ سَوْءٍ } ابن ماجة وابن شيبة وغيرهم. ففضلا من الله ومنّة يقبل جلّ جلاله على عبده كلما كبّر مصلّيا ينظر له وينظر حاجته ومطلبه إلا أن يوحيَ العبدُ الضعيفُ بفعله السيء أنه إنما قام يؤدي واجبا فرض عليه لا حاجة له به عياذاً بالله تعالى. وهذا الإيحاء السيء من العبد يكون بعدم الاطمئنان في الصلاة أي بفقد ذلك الركن العظيم من أركان الصلاة وتلك إساءة بالغة يتجرأ عليها العبد في حضرة ربه، فإما استعجال وسرعة حركة وإما انصراف عن الصلاة بقلبه وفكره وهما أمران يجلبان مقت الرب جلّ وعلا ويحبطان العمل، ولأن الانصراف من الصلاة روحا مع بقاء سهل يقع فيه المرء وهو لا يشعر، وبه يخسر العبد غنيمة إقبال الله عليه، كان العمل على إيقاع العبد فيه أهم أهداف الشيطان الرجيم لعنه الله وكفانا شره وأثره، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى} متفق عليه. فيبقيه سارحا في ما لا يُمكن ان يسرح فيه خارج الصلاة سواء بتذكر أمور نسيها أو بتخيل أحداث لم ولن تقع والتعمق في التخيل بتصور ما سيفعل هو أو ما سيحدث له جراء تلك التخيلات والأوهام، فحينما يخرج قلبه وفكره فلا يدري ما تسبيح من دعاء ولا سجود من ركوع فصلاته مجرد حركات تتبع تكبيرات الإمام بدون إدراك وحينها فإن الله الغني الكريم يتركه ويكله إلى ما سرح فيه، والإساءة الأخرى التي توحي باستغناء العبد عن إقبال ربه عليه وأنه إنما يؤدي فرضا واجبا عليه هو مستغني عنه الاستعجال المخل بالأركان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ وَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا} متفق عليه. والشاهد هنا قوله عليه الصلاة والسلام فإنك لم تصل والسبب أنه فاقد للطمأنينة في صلاته، وفقدان الطمأنينة يعرض الصلاة للبطلان لأمور منها أنه بدون طمأنينة سيسابق الإمام أو يوازيه في الأفعال كما أن السرحان قد يؤدي به إلى التأخر عن إمامه وكلها حالات تفسد صلاته لأنه غير مُتّبع لإمامه، وبفقدانه للطمأنينة سيكون في عِداد السُراق يقول عليه الصلاة والسلام: أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها. وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام : إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها خمسها ربعها ثلثها نصفها} أحمد وأبو داود والنسائي. فمع خسارته بسبب سرحانه لإقبال الله عليه أيضا قلل قيمة صلاته في سجلاته . نسال الله العون على ذكره وشكره ونسأله سبحانه أن يبارك لنا في القرآن والسنة
الحمد لله العلي العظيم ذي العرش المجيد الفعال لما يريد الغني الكريم والصلاة والسلام على النبي الأمي البر الرحيم بأمته وعلى آله وصحبه ومن تبعه مهتديا بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فإن فقدان الطمأنينة في الصلاة مع تعريضه الصلاة للبطلان يعرض العبد لمخاطر منها ما ورد في الأحاديث الصحاح عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم } مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ} مسلم. واعلموا أن هناك فرق بين الطمأنينة وبين الخشوع فالخشوع مستحب وأما الطمأنينة فركن لا تتم الصلاة بدونها والطمأنينة في الصلاة هي أن تقول ذكر كل ركن أو واجب في محله مفصولا عما سبقه أو يلحقه فتكبيرة الإحرام مستقلة والفاتحة مستقلة وأذكار الركوع والرفع منه والسجود والجلوس بين السجدتين والتشهد في قسميه كل شيء مستقل فلا يتصل ذكر بآخر ولا يكتفى بالفصل بالتكبير فقط بل لابد أن يكون كل ذِكرٍ في محله المختص به فلا يحملك الاستعجال على أن تأتي بأذكار الركوع أو السجود أو التشهد أثناء النزول او الرفع كما لا يحملك التأخر على أن تأخذ حق ركن لتزيد في آخر.
ولنعلم عباد الله أن من الغنائم أن نكثر من الدعاء في كل حال بعد الفراغ من الذكر المحدد لكل ركن فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ليقتصر على دعاء واحد يكرره في كل صلاة بل يجدد الدعاء بحسب حاجته وبحسب ما يفتح الله له من دعاء فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ} البخاري. وورد في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ العَافِيَةَ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللهِ بِالدُّعَاءِ. الترمذي والحاكم.  وإذ علمنا عباد الله أهمية حضور القلب في الصلاة وخطر انصرافه وعلمنا مدى الارتباط الوثيق بين إقبال الله على العبد وإقبال القلب على الصلاة وعلمنا أهمية الطمأنينة وكيف تؤثر في قبول الصلاة أو بطلانها وعلمنا كذلك مدى أهمية إشغال قلب المصلي لدى الشيطان عرفنا لماذا لا نرى أثرا لكثير من دعواتنا الحاضرة فيفترض بهذا أن يدفعنا للعناية بالقادم من حياتنا فإن من العلم المتيقن المفروغ منه العلم بأن أعظم الأعمال الجهادية هي جهاد المرء نفسه في إقامة الصلاة إقامة في وقتها وفي جماعتها وإقامة في حضور القلب وإقامة بتثبيت غنائمها في سجلات المصلي وفي حاضره ومستقبله وإن من أعظم وصايا الحبيب عليه الصلاة والسلام لأحبته كانت بحثهم على الإكثار من قول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك      

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل