خطبة الجمعة حديثٌ حول الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحمد لله الملك العلي العظيم الولي الحميد واسع الفضل والعطاء مالك الملك ومدبر الأمر أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، نبي صُنعت سيرته وسريرته وخلقه على عين الله وبرعايته فساد البشرية فضلا وعلاهم إيمانا وخلقا فهو سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين، هو صفوة الخلق أجمعين وهو خليل رب العالمين، رفع الله ذكره فقرن اسمه باسمه وذكره بذكره وجعل الخلائق يوم القيامة متعلقة بشفاعته، ربه يصلي عليه والملائكة الكرام تصلي عليه والمؤمنون المهتدون بهديه يصلون عليه فيصلي الله عليهم بكل صلاة عشرا اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله يقول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }
أيها الأحبة لو عدنا بالذاكرة لما درسناه وقرأناه من سيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام لوجدناها مليئة بمشاهد التعب والنصب والحرمان ومليئة بأخبار أذى أعدائه وحساده له ، مليئة بصور حرصه على إبلاغ الدعوة وهداية الناسن صور تحكي سمو الخلق وسمو النفس وسمو الهدف وصدق المشاعر والمقصد ، بدء من نشأته ويتمه ومرورا بمبعثه والرعب الذي حلّ به أول لحظات تنزل الوحي حينما زاره جبريل في الغار، وفي كل لحظة يتنزل عليه فيها الوحي حيث الثقل الذي يضغطه عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ كُنْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي فَمَا وَجَدْتُ ثِقْلَ شَيْءٍ أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِه ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ اكْتُبْ. ولعلنا نتخيل قطرات العرق التي تتحدر منه جراء مشقة تلقي الوحي، تصف عائشة رضي الله عنها هذه الحال فتقول : فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ، حَتَّى أَنَّهُ يَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الْوَحْيِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. وسيرته عليه الصلاة والسلام المليئة بصور الألم والتعب في جهاده وبمشاهد تفنن معارضيه وحساده في إيذائه وإيذاء أصحابه، مرورا برحلته إلى الطائف وهجرته إلى المدينة، ثم أذى المنافقين له في أهله وفي أصحابه وأذى اليهود له في نفسه وفي رسالته، والفقر الذي عمّ حياته منذ نشأته حينما كانت المربيات المرضعات يتهربن عنه لفقره، وحين ربط الحجر على بطنه، وحينما كان أفقر بيت في المدينة هو بيته، وكان الحصير يؤثر في جنبه، وكانت الأشهر تمر والنار لم توقد في بيته، وحين مات وهو لم يشبع من خبز الشعير ولو مرة في عمره، بل وحين مات ودرعه مرهونة عند يهودي في صاع بر استدانه ليطعم أهله، ولا يجهل أحد خبر مرض وفاته جراء السم الي دسه اليهود في طعامه حيث كان يوعك كما يوعك الرجلان من قومه وكان يخفف حرارة جسمه بوضع يده في ركوة ماء ويمسح وجهه الشريف، وكذلك سكرات الموت التي نزلت به حتى إنه ليغمى عليه من شدتها وإنه ليتعوذ بالله من ألم ألّم به,
صور لا نستطيع حصرها ولا تعدادها، نتذكر ما مرّ به من صعوبات ومعاناة فنرفع الأكف دعاء له بان يجزيه الله عن أمته خير ما جازى نبي عن أمته وأن يصلي عليه ما دام الليل والنهار يتعاقبان وإلى ما شاء سبحانه من العدد والأزمان وان يهبه الله الوسيلة خير منازل الجنان وأعلاها ، نصلي عليه ولم ولن نبلغ مكافأته، نصلي عليه حبا له واشتياقا لرؤيته وطمعا أن يرد علينا السلام بنفسه، وعلّنا بكثرة الصلاة والسلام عليه نزداد تمسكا بسنته. عباد الله لئن كانت الصلاة على رسول الله حقا له علينا فإنها أجر مضاعف لنا وهي سبب لفضائل وخيرات تتنزل بنا إن جعلنا أنفسنا من اهلها وجعلنا لوقتنا حظا منها ، لن أستطيع حصر تلك الفضائل ولا المقام يسمح بتعداد ما ذكره أهل العلم منها، وقد خصص الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كتابا وافيا شافيا في هذا الأمر أسماه جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام، حري بالمسلم أن يطلع عليه ففيه فوائد جمة تعين العبد على أن يكون من أحباب الحبيب ومن أهل الصلاة عليه، وأذكر بإيجاز بعضا من تلك الفضائل :
فأولها أننا بالإكثار من الصلاة والسلام على الحبيب نمتثل أمر ربنا وخالقنا وأمر نبينا وحبيبنا، ونفوز بذكر الله لنا وثناؤه علينا كلما صلينا على حبيبه وخليله، ومنها أن الملائكة تبادر بإبلاغه عليه الصلاة والسلام سلامنا وصلاتنا فيرد علينا، ومنها أن أولى الناس به وأسعدهم به والأكثر حظوة عنده هم أكثر الناس صلاة وسلاما عليه، وأنها أي الصلاة عليه سبب لهداية قلب العبد وثباته على السنة وسبب للحب المتبادل بين المصلي والمصلى عليه، بها مع ذكر الله تطيب وتطهر المجالس، وهي سبب من أسباب إجابة الدعاء إن ختم الدعاء بها، وإن استفتح الدعاء بتعظيم الله وتمجيده وبها كانت الإجابة أحرى وأقوى، بها تغفر الذنوب وتنال شفاعة الحبيب وبها يسلم العبد من الوصف بالبخل، والإكثار منها سبب للسلامة من دعاء جبريل على من ذُكر الحبيب عنده ولم يصل عليه، وهي سبب لأن يُذكر المصلي باسمه عند نبيه وحبيبه، وهي مع الاستغفار من أسباب تفريج الهمّ وزوال الكرب.
من فوائد الصلاة والسلام على رسول الله أننا نؤدي عملا أخبرنا جل وعلا قبل أن يأمرنا به أنه هو سبحانه يعمله وملائكته الكرام تعمله بقوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } وكفى بهذا فخرا وكفى به فضلا وكفى به دعوة لعدم الغفلة عنها، وللصلاة على النبي مواطن عدة أوصلها ابن القيم الى واحد وأربعين موطنا أهمها الموضع المعروف في الصلاة وبعد الأذان وعند دخول المسجد والخروج منه وعند الدعاء وعند الخلوة وفي المجالس العامة وإذا ذُكر اسمه وفي كل حين تشتاق النفس لرؤيته.
الحمد لله حمدا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه احمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على الحبيب المصطفى والنبي المجتبى وعلى آله وصحابته والتابعين إلى يوم الدين صلاة أرجو بها لي ولكم العون على الثبات على سنته والفوز بشفاعته ونيل المنازل القريبة منه في جوار رب كريم لا يرد ولا يخذل من رجاه وأحبه وأحب قربه.
عباد الله الصلاة على النبي معناها من الله الرحمة والثناء في الملأ الأعلى ومن الملائكة الاستغفار ومن الآدميين الدعاء. يقول ربنا جل وعلا { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما } فالدعاء بلفظ اللهم صل ليس مقتصرا على النبي صلى الله عليه وسلم بل ممكن ان تدعو بها لمن أحببت كوالديك وأحبتك ومن صنع لك معروفا بشرط أن لا يتخذ ذلك صفة لازمة فكلما ذكر اسم والدك قلت اللهم صل عليه لأن الاقتران بين الاسم والصلاة خاص بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام وكان صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا امتثالا لأمر الله تعالى في قوله سبحانه { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى} البخاري. وللصلاة على رسول الله صيغ عدة منها: قوله عليه الصلاة والسلام في أحاديث مختلفة لمن سأله كيف نصلي عليك : قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وقوله في الحديث الآخر : قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وقوله عليه الصلاة والسلام : قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ.
وقوله : قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. الأحاديث متفق عليها.
ومن المستحب في غير التشهد في الصلاة التنويع في الصلاة على النبي بهذه الصيغ وعدم الاقتصار على صيغة واحدة وان اقتصر فلا حرج.
عباد الله نبيٌ اعطي الوسيلة وأُري مكانه في الجنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر علم أن ملك امته سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها أعطي الكنزين الأحمر والأبيض، ومع ذلك بكى شوقا للقائنا وحبا في رؤيتنا وخشي أشد الخشية أن تصدنا الملائكة عن لقياه وعن الورود على حوضه، فحري بنا ونحن الذين لم نلق من التعب والضنك مقاربا لما لاقاه وأصحابه ولم نتحمل أمانة كما تحمل هو وأصحابه حري بنا أن نكون من أنصار سنته خلقا وتعاملا سواء مع الناس او مع رب الناس نحمل سنته في ظاهرنا وباطننا نكون مشعلا منيرا بسنته وبرسالته، وحري بنا أيضا أن نجعل انفسنا من أهل الصلاة والسلام عليه وأن نُعرف بها ففضلها كبير وهي حق علينا عظيم هي صلة لنا به عليه الصلاة والسلام ولو أننا قرأنا في فضائلها لعلمنا مقدار تفريطنا في حق أنفسنا ولا يخفى أن كثيرا من الناس قد نسي الله فأنساه الله نفسه وأعمى عنه طرقا من كرق كسب فضله جزاء من الله وعدلا منه سبحانه نعوذ بالله ان نكون وأحبتنا من المحرومين ونسأله سبحانه بمنه وكرمه ان يثبتنا على سنة نبيه الحبيب وأن يرزقنا الفقه فيها وان يهبنا منه سبحانه صلوات تخرجنا من الظلمات إلى النور وأن يجعلنا من أنصار نبيه وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم في أنفسنا وفيما يظهر منا لمن هم حولنا اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى أزواجه وذريته وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وصل اللهم علينا وعلى والدينا وأزواجنا وذرياتنا وسائر من أحبنا فيك ومن أحببناه فيك .
تعليقات
إرسال تعليق