خطبة الجمعة الدعوة لنشر التفاؤل ةالتحذير من الإرجاف

الحمد لله خلق فقدّر ودبّر ويسّر، أحكم خلقه وتقديره وتدبيره بحكمته وبعدله وبعلمه الغيب، عزّ سبحانه فاختار فحكم وقضى. أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمدا عبده رسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
وبعد عباد الله فاتقوا الله فإن الله مطلّعٌ عالمٌ للغيب لا تخفى عليه خافية، وهو معنا أينما كنا وسيعرض علينا يوما ما أعمالَنا، فلنعد للسؤال جوابا ولنسأله سبحانه دوما العون على ما يرضيه عنا كي نفرح ونرضى في دنيانا وفي أخرانا. عباد الله إن مما عُمِرَ به القرآن والسنة هو البشارة بالعاقبة الحسنة والعناية بنشر ثقافة الفأل الحسن ونجد أن مترادفات لفظة البشارة وردت عشرات المرات في القرآن الكريم، وفي السنة كان التصريح والأمر بهذه الرسالة رسالة التبشير ونشر الفأل الحسن عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ : بَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا } مسلم.
ولن يقنط ولن ييأس ولن يحزن مؤمن يتأمل في قول الله تعالى { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ () الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ () لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } والأمثلة في هذا السياق كثيرة في القرآن والسنة ، فنشر الفرح وبث الطمأنينة هما السبب الرئيس في قيام الحياة السعيدة وفي ثبوت الدين ورسوخه في الأفئدة ، ومن المعلوم أن الانتصارات العسكرية غالبا ما تتم بسبب نشر الخوف والترويع في الناس وقد يكون خوف الأعداء ورعبهم هبة من الله لبعض جنده بلا بذل منهم للأسباب المعتادة وهذه إحدى خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ففي الحديث أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ .... الحديث متفق عليه.
وقد يكون هذا الرعب النازل في القلوب النازع للطمأنينة هازم الجيوش العظيمة بسبب الناس أنفسهم من خلال بث واستقبال الدعاية الكاذبة ونشر الأخبار المروعة فتنهزم النفوس قبل اللقاء وقد يخرج بسببها الآمن من مأمنه إلى أحضان عدوه بنفسه وقد يُسلم له نفسه لينحره بلا مقاومة بسبب الرعب الذي حلّ به وخوفا مما هو أكبر قد تُخلى الديار للصوص والأعداء بطواعية لينهبوا وليحتلوا وليستبيحوا بلا حساب على استحالة ذلك في نظر الأعداء مسبقا كل ذلك بسبب مخالفة السنة الإلهية في نشر الفأل الحسن والوعد بالعاقبة الحسنة ولا يخفى الفرق بين التحذير الداعي للاستعداد من التحذير المسبب للانهزام. عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا } مسلم.
فالعدو الخارجي لا يستطيع بحال أن يدخل بقواه العسكرية بلاد المسلمين ليحتلها حتى تمهد له الأرض المسلمة من داخلها ومن قبل أهلها الذين سيستبيحون دماء وأموال بعضهم، وهذا وعد الله لرسوله ولأمته من بعده، وحتى لا يكون للناس حجة على الله في تحقق هذا الوعد، ورعاية للوحدة الإسلامية ألا تخترق، فقد شدّد جل وعلا في الوعيد على أصناف ثلاثة هم بوابة الفساد الأمني والأخلاقي والعقائدي وللأسف هم في المجتمعات بكثرة فقال سبحانه وتعالى { لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً ()  مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ()  سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }
أما المنافقون فإنهم أصحاب الابتسامة الصفراء التي تسرق الحذر من القلوب الصادقة وتمنح للغافلين طمأنينة مؤقتة وتخفي حقدا وولاء للعدو الذي لا يرقب في مؤمن إلاّ ولا ذمة،
وأما مرضى القلوب فأولئك الذين حلّ في قلوبهم مرض شبهة فصاروا يُفسدون على الناس دينهم ويشككونهم في الغيب والرسالة ومحكمات الدين ومسلماته وأيضا الذين مرضت قلوبهم فعُمرت بحب الشهوات ولم يكتفوا بالمتعة المحرمة الشخصية بل يدعون للفاحشة ويزينونها وييسرون اسبابها حبا في شيوع الفاحشة في الذين ،
وأما المرجفون فهم: الذين يقولون جاء الأعداء وجاءت الحروب هُزِم المسلمون وأسرع فيهم القتل كثر قطاع الطرق أتت الصعوبات الاقتصادية أو نحو ذلك وهو كذب وافتراء أو مجرد خبر غير ثبت، يشيعون أخبار الفواجع الأمنية والقتالية والاقتصادية بغير تثبت فينزلوا بالناس همّا وغمّا لا طاقة لهم به، قال ابن عباس الإرجاف التماس الفتنة وإشاعة الكذب والباطل للاغتمام به. وقانا الله وأحبتنا مسببات سخطه وأعاننا على ذكر وشكره وحسن عبادته 

الحمد لله حمدا طيبا طاهرا مبارك فيه كما يحبه ربنا ويرضاه أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلقه محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه وتجنبوا أسباب سخطه وعقابه واعلموا أن الله تعالى أعدّ لأولئك القوم بوابة الفساد العقائدي والأمني والأخلاقي عقوبة مغلظة في الدنيا قبل وصولهم لمقرهم في الآخرة وذلك بإغراء السلطة بهم أي تسليط السلطة عليهم فيتحقق فيهم ما قصدوا إيقاعه بالناس أو ما كان سيحدث للناس بسبب تخطيطهم وحديثهم فيُقتّلون ويطرّدون وينفر الناس عنهم إضافة للعنة الله ولعنة الناس. فاحذر عبدالله من نقل كل ما يصل إليك من أخبار عسكرية وأمنية أو اقتصادية مما لا نفع فيه بيّن وقد يغم ويزعج ويروّع ويؤذي الناس حتى لا تكون مرجفا أو حتى لا تكون مشاركا للمرجفين فتحل عليك لعنة الله ووعيده وأنت لا تعلم. واعلم أن السلامة لا يعدلها شيء وأن نشوة نقل الخبر لا تقارن باحتمالية حلول اللعنات الإلهية. عباد الله وفي مقابل هذا الإرجاف والترويع نجد إعجابا مروعا قد يسبب تأديب الله تعالى لنا بعقوبة ما فكثيرا ما نسمع تمجيدا وتباهيا بالقدرات العسكرية وإن كنّا نحمد الله ونشكره كل وقت أن هيئ لنا جيشا يصّاف الجيوش الأممية في الإمكانيات غير النووية وهو بلا أدنى شك ولا جدال مصدر أمن واطمئنان لنا ولإخواننا من حولنا إلا أن الاعتماد سرا وعلانية يجب ان يكون على الله تعالى وحده والثقة فقط في وعده علينا أن نتذكر دوما قول الله تعالى لنبيه وللصحابة معه { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } فوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثرة الجند والسلاح وقلة العون والمدد للعدو لم تغن عن المسلمين لمجرد إعجاب بالنفس واتكال على القدرات، فنفرح ونفخر مع إعادة الفضل في ذلك كله لله تعالى وتأكيد للأسباب الشرعية التي دفعت للحرب وأنها أي تلك الأسباب والنوايا والدعوات الصادقة هي المؤثرة الفعلية في الانتصارات العسكرية، ومهما كانت الثقة والقدرات العسكرية والاقتصادية فإن الحروب مكروهة منبوذة فيجب الحذر وسؤال الله السلامة روى البخاري ومسلم أِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ} اللهم ارزقنا الفهم في سنة نبيك وثبتنا عليها حتى نلقاك وانصرنا على أعدائنا من الجن والإنس واحفظنا بحفظك في كل أحوالنا يا رحمن يا رحيم وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى ازواجه وذريته وصحابته والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين   

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل