الاحتفال بالمولد النبوي

لقد وصانا الله تعالى بتقواه حبا لنا ليقربنا ووصانا بتقواه خوفا علينا من أذى ينزل بنا فيسوؤنا ووصانا بتقواه كي يكون الفلاح حليفا لنا وعوضا لنا عما فاتنا يقول سبحانه وتعالى { قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } والآيات في ذلك كثيرة.
 ولقد جعل سبحانه وتعالى سبب التقوى وسبيلها في أمرين:
1.    في العبادة الحقة.
كما قال سبحانه { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
2.    في أداء هذه العبادة وفق ما شرعه وأنزله جلّ جلاله.
 كما قال سبحانه { خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
فالشريعة الإسلامية قائمة على اتباع ما أنزل الله،  ومن خلال هذا الاتباع أو عدمه يتبين المتقين المقربين من غيرهم، بل إن الانحراف في أداء العبادة ولو جزئيا عن الكيفية المشروعة يعرّض العمل لنقص الثواب وإن طال وشق، مثلا سنة الفجر سنة مؤكدة لحد الفرض فلو اتسع الوقت لأحدنا فصلاها وأطال في القراءة وفي الركوع والسجود لأن الوقت متسع وهو في حال نفسية جيدة مقبلة على العبادة وجاء آخر فصلاها ركعتين خفيفتين، كان الذي خفف أعظم أجرا من ذلك الذي أطال لأنه أصاب السنة والآخر خالفها،
والانحراف عما أنزل قد يعرض العمل للبطلان والرد، وقد يكون البعض سالكاً الطريق الخطأ وهو يحسب أنه يحسن صنعا لأنه استحسن ما لم يرد به نص. وأوضح مثال على ذلك  قصة الشباب الثلاثة الذين طهرت قلوبهم وتعلقوا بجنة ربهم وخافوا عذابه، فرغبوا أن يتأسوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في العبادة علّهم يلحقون به ويكونون بقربه فلما سألوا عن عبادته من صيام وقيام وطعام وشراب وغيره من الممارسات الحياتية تفاجأوا بقلتها وبساطتها فنسبوا ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام له مكانة خاصة عند ربه وليس بحاجة لزيادة قربة، فحرّموا على أنفسهم بعضا من متع الحياة فارضين على أنفسهم عقوبات ظنوا أنهم تقربهم لربهم، فلما علم عليه الصلاة والسلام بذلك قال : أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي.
متفق عليه . وفي هذا دلالة بيّنة على بطلان تلك الأعمال المخالفة وأنها إنما تقود أهلها إلى الجحيم بدلا من الجنة التي توهموا أنهم على طريقها.
ومن هنا ندرك تماما أن كل عمل يراد به التقرب لله تعالى لم يشرعه الله ولم يعمله لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الذين أمرنا أن نكون على مثل ما هم عليه فهو عمل باطل يصد عن الله ويجلب غضبه، ولذا كانت من أواخر وصاياه عليه الصلاة والسلام الوصية بلزوم السنة قائلا: فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ } أبو داود وأحمد والحاكم وصححه الألباني وغيره.
فإحداث تشريعات والتلبيس بها على الناس أمر متوقع ولذا كان التحذير من الاغترار بهذه الأعمال والشُبه وإن استحسنتها بعض العقول وكثر ممارسوها وسوّق لها الإعلام حتى وإن سار في ركابها بعض الأعلام، فإن الجميع سيهلك وسيؤخذ به إلى جهنم إلا طائفة واحدة تنجو من الانحراف وتثبت على منهج النبوة هي التي تكون على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قائمين بالحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله. وإن مما بيّن عليه الصلاة والسلام أنه مشهد سيؤلمه كثيرا وأنه سيكون من أشد المواقف ألما عليه هو مشهد أناس من أمته عليهم آثار الوضوء في وجوههم وأطرافهم يقدمون إلى حوضه يوم القيامة فيتهلل وجهه الشريف فرحا لرؤيتهم فتردهم الملائكة عنه فيلجأ إلى ربه تعالى أن هؤلاء أمته فكيف يردون عنه؟ فتناديه الملائكة الكرام الذين صدوا هؤلاء عنه أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! فلا يملك إلا قول سحقا سحقا، أي ما داموا غيّروا واتبعوا من لم يسلك بهم نهجه ولم يبالوا في حياتهم بلزوم سنته فلما يبال بهم اليوم.
ومما يجب العلم به أن العبيديين المتسمون زورا بالفاطميين لما تسلطوا على مصر وحكموا شعبها ولم يملكوا رداُ علميا على ما أغضب  المصريين آنذاك منهم سواء في انحرافهم العقدي أو تعاونهم مع الصليبيين في حملاتهم على الشام  إضافة لمحاباتهم لحاشيتهم على بقية الشعب وخافوا نقمة المصريين لجأوا لأسلوب شيطاني وهو التلبيس على الناس في دينهم كي ينصرفوا عنهم وينشغلوا بما يخدرهم ولا ينفعهم وأعانهم على ذلك علماء سوء لا يخلو زمن من أمثالهم فكان الابتداع في الدين بما يرضي النفوس البسيطة التي غلبها الجهل فتظاهروا بالحب والاشتياق للنبي عليه الصلاة والسلام واختاروا اليوم الثاني عشر من ربيع الأول موعدا يجتمعون فيه ويظهرون فيه التقرب إلى شياطينهم أسموه يوم المولد. فكانت بدعة لبّس بها على الجهلة ينفق فيها الأغنياء من الأموال ما يغني الكهنة وأشباههم وفيه يرضى الفساق بما يجدونه من  سماع وترانيم لا تخلو من ألفاظ شركية واجتماع يخلو من كثير من الآداب حيث اختلاط الجنسين في زحام بلا ضوابط .
 فكان الاحتفال شبهة قربة بينما هو سوء صنعة، يتوهمون فيه أنهم يرضون النبي عليه الصلاة والسلام بينما هم يمارسون ما كان يرفضه ويحاربه، وفي القرن السابع الهجري انتقلت البدعة إلى بلاد الشام ثم عمّت وطمّت إلا حيث رحمة الله ومن رحم الله.
فلأجل أن ديننا قائم على الاتباع ويرفض كل ابتداع ، ولأن الاحتفال بالمولد صنعة الرافضة وتخدير للشعوب المسلمة كان الرفض والتحريم لهذا الاحتفال بكل صوره وأشكاله اللهم إلا مظهرا واحدا فقط هو الذي بيّنه عليه الصلاة والسلام في حديث  أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال ذاك يوم ولدت فيه...الحديث رواه مسلم .
فإن كان ولابد من احتفال فليكن كل يوم اثنين وليكن بالصيام فقط.
أما مظاهر دينية لا تظهر  إلا على أيدي الروافض ولا تنتشر إلا في القرن السابع ثم تنسب لديننا فإن هذا هو أول عقوبات أمة ركنت للظلمة من حكامها وعلمائها.
وإن علينا نصرة لديننا وتحقيقا لانتمائنا لنبينا وإمامنا حبيبنا محمد بن عبدالله عليه صلوات الله وسلامه أن نتواصى بالتحذير من هذه البدعة والعناية بالتنفير عنها فإنها  بدعة صارفة عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام وصارفة عن الورود على حوضه يوم القيامة وسببا لتسلط الجهلة وتحكم الأعداء والله خير حافظا  
اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل واجعلنا من عبادك الصالحين وثبتنا قلوبنا على دينك القويم وألحقنا بالنبيين والشهداء والصالحين ووالدينا وأزواجنا وصل اللهم وسلم على من بعثته رحمة للعالمين وبشارة للمؤمنين الهادي البشير والسراج المنير محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل