التحذير من التزكية الآخرين والتفضيل بين الناس

أن أخوف ما خافه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما ذمّ الله تعالى عليه الأمم السابقة حين أكثر من تحذيرهم منه وأكثروا من مخالفة التحذير { وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } وفي زماننا هذا كثر بيننا أمثال هؤلاء القوم نسأل الله العافية ونعوذ به سبحانه من سلوك مسلكهم، وإن من الشراء بالكتاب ثمنا قليلا هو شراء عقول الناس وصرفهم عن دينهم  وذلك إما بتزيين وتبرير الشهوات أو نشر الشبهات ولا يتم ذلك إلا بإثارة الإعجاب بشخصيات أو أحزاب أو دول لا أثر للتوحيد في شعاراتها أو لا أثر له في مواطئ حكمها وأحاديثها ومنطقها، فتزكى تلك الشخصية الماجنة أو تلك الشخصية السياسية المنحرفة وتلك المنظمة تزكية تجعلها فوق موازين البشر تزكية تصفّها في مصافّ الملائكة بل اعظم أحيانا حتى يرى البسطاء أن ما تصنعه تلك الشخصية هو الأمر المفترض، ولقد نهانا الله تعالى عن تزكية أنفسنا بالرغم من أننا نحن الأعلم بأنفسنا نعلم نوايانا وخفايا أعمالنا فكيف نزكي أحدا غيرنا؟ بل استمع لهذا الحديث جيدا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ فَقَالَ لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَقَالَ تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَ وَجْهِي فَقَالَ لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ فَذَكَرَهُ فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أَمْ بُعِثَ قَبْلِي، وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى} متفق عليه. بالرغم من أنه صلى الله عليه وسلم كما أخبر عن نفسه سيد ولد آدم ولا فخر وهو صاحب أعلى منزلة في الفردوس والأنبياء والأمم تبع له في دخول الجنة وله من الهبات الربانية ما يبين علو منزلته وشرفه على غيره إلا أنه ينهى عليه الصلاة والسلام عن التفضيل والتخيير بينه وبين الأنبياء، وذكره لما خصه الله به من التكريم إنما هو للتحدث بنعمة الله وليس التفاخر بها، بالرغم من ذلك كله ينهي عن التفضيل بينه وبين الأنبياء نهيا بلغ حد الغضب الذي يرى على الوجه، فما بالنا اليوم نزكي شخصية أو حزبا او دولة لا نفع لنا شخصي منها ولا فائدة ترجى من وراء تناقل تلك التزكيات إلا تفضيلها على النعمة التي بين أيدينا وانتقاص الشخصيات التي بقربنا وجحد فضلها وجهودها مع أن تلك الشخصية المزكاة لم تبلغ في الدعوة للتوحيد وصيانة الأعراض معشار ما بلغته شخصيات منعم على الناس بها،  إضافة لما يسببه تناقل تلك التزكيات من نشر للكراهية بيننا. وبلا شك نفرح لسماع فوز شخص أو حزب يظهر لنا أنه يعمل ويساهم في نصرة الإسلام ولكننا لا نعلم حقيقة نواياه ولا صدق دعواه من كذبها ولا إلى ما ستؤول إليه أفكاره وقراراته تبعا للمتغيرات، كما أننا لسنا مباشرين ولا مستفيدين من جهوده، فالواجب نصرة لديننا ورعاية لمشاعر المحبين لدينهم وتثبيتا لهم على الدين أن لا نبالغ في التزكية فيصابوا بالردة عن دينهم أو تكذيب كل خبر عن أمتهم بسبب اكتشافهم لمسلك شخصي خاطئ لتلك الشخصية أو لتغير تلك الشخصية أو الحزب تبعا للمتغيرات السياسية وما أكثر التغير في بحر السياسة وما أكثر من صُدم بعد أن بُني له عظيم المنازل لشخصيات هوت بكل ما كنت تدعو إليه لأجل تغير فكرها ومصالحها .
من نصره الله في أي مجال من مجالات الحياة ونرجو للمسلمين عزا وظهورا بسببه نفرح له وبه وندعو الله له بالعون والتوفيق ونثني على ما ظهر لنا من طيب ثمرة سعيه فقط لا أن نجعله شخصا مقدسا لا يقبل نقدا، ولا أن نعلن حبنا له وفرحنا به من خلال نقل كل ما وصلنا عنه من ثناء عطر لم نعرف سببه ولا صدقه من زيفه وما أكثر الزيف اليوم في رسائل التواصل الاجتماعي. علينا أن ننتبه فيما نقول وننقل إلى تباين واختلاف المخاطبين ومعاييرهم فإن ما كان نصرا هناك فليس بالضرورة أن يكون نصرا هنا، إن عُدّ تغطية الرأس للمرأة نصرا للحجاب هناك فإنه عند من اعتادوا تغطية الوجه لا يعد شيئا وإن مجد ذلك النصر وأبرز على أنه هو المظهر الإسلامي الحق والنصر الإسلامي المنتظر فسيتم زرع شبهة وفتنة هنا وهكذا بالنسبة للتمجيد في قضية الحد من بيع الخمور في بلد لا يرى أهله به بأسا لدى أهل بلد يرون التدخين منكرا. أيها الأحبة احذروا تحريك القلوب نحو الشبهات أو الشهوات وذلك بمراعاة أحوال المخاطبين في كل مكان وبترك الإعلان عن الإعجاب المبالغ فيه بأهل بلد قيمهم الأخلاقية دون قيم ديننا بمراحل أو شخصيات سياسية أو تجارية لا يدري عن جوهر قلوبها إلا الله فضلا عن أننا نتمتع بعز لقيمنا لا يحلم به كثير غيرنا فقلوب العباد من أصبعين من أصابع الرحمن كما صح بذلك الحديث ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. أيها الأحبة طرقت هذا الموضوع مع حساسية هذا الطرح وكثرة ما سيؤول عليه ولكن لم أطرحه تبعا لتوجهات سياسية وفكرية وإنما خوفا على شباب أمتي من مصير ذلك الشاب السعودي الذي دار بيني شخصيا وبينه حوار أسأل الله أن يؤتي ثمرته حيث ترك الإسلام وتحول للنصرانية بسبب شخصية مجدت وصنع منها رمزا إسلاميا معاصرا حتى أيقن بسبب ما توهمه هو وما أوهم به أن تلك الشخصية هي محمد صلى الله عليه وسلم يمشي بيننا ثم ما لبث أن اكتشف أمورا خاطئة تتحملها تلك الشخصية وأخرى لا تتحملها فسقط من قلبه وعقله ذلك البناء العظيم الذي بني بالوهم والتلبيس وسقطت في نظره مع سقوط تلك الشخصية من عينه كل قيم الإسلام ولم يجد إلا دينا كان تاريخ وحاضر أهله مظلما عفنا بكل الصور ليتحول داعية نصرانيا يمجد دين النصارى ويمجد آلهتهم كل ذلك كان بسبب تزكية خاطئة لشخصية بشرية طبعها التغير والتحول، أسأل الله لذلك الشاب ولكل شاب ضل الطريق بسبب الشهوات أو الشبهات الهداية وعودة البصيرة وأن يحفظ لنا ولأحبتنا ديننا وقيمنا وأن يبصرنا فيما نقول وننقل وأن يحفظ لنا ديننا ويثبتنا على سنة نبينا وصلى الله وسلم على نبينا محمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل