سيقبى المطر رحمة ولو تسلط السفهاء ليحولوه لنقمة
ويظل المطر رحمة تبشر بالرحمة { وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ } فالمطر رحمة ورائحته تنشر البهجة والرياح الطيبة به مبشرة والنفوس تشتاق إليه كلما أطلّ موسمه، فإذا نزل أشاع بنزوله فرحة لا توصف وتعطرت الألسن المؤمنة بذكر الله وحمده وشكره وعمرت القلوب برائحته ومنظره إيمانا وحبا لله تعالى وبلغت الآمال بزينة الأرض ورغد العيش مبلغا عظيماً، ولقد ابتلينا بعابثين يحولون تلك الرحمة إلى نقمة ويستبدلون شكرها بكفرها، في مشاهد توحي بفقد قلوبهم لتلك المشاعر الإيمانية والجمالية فمنذ أن هطلت الأمطار على المملكة في الأسابيع الماضية لم تخل برامج التواصل يوما من مشهد موجع لعابث يعيش لحظة إفسادٍ للمتعة وللنعمة يواجه اندفاع السيول في مجاريها مفاخرا بمركبة ليس له منها سوى ركوبها وثمنها المضاعف فما تلبث تلك المركبة حتى تكون أشبه بورقة تلعب بها الرياح العاتية وحتى يكون قلبه الذي كان يدّعي صلابته وثباته منخلعا مضطربا وفكره يعرض أمام عينيه كل صور الآلام المتوقعة من شلل يقعده أو رحيل عن الدنيا يفجع أهله وأحبته، فكانت تلك الرحمة بسبب سفاهته ونقص شخصيته نقمة عليه وعلى أهله وعلى من حوله الذين فجعتهم عاقبة عبثه، وتزداد المأساة حينما يتحول نتاج ذلك المطر من زخرف الأرض وزينتها إلى مجال لاستعراض مهارات إفساد الأرض وبطر النعمة ففي كل بقعة في الصحراء تزخرفت بزينة الربيع يحلّ سفهاء يفسدون بسياراتهم وبنفايتهم ربيع الأرض وزينتها جاهلون أو متجاهلون أن كلٌ سيتألم لفعلهم وسيدعو عليهم من بشر وبهائم وكل كائن حي أما ترى تلك الكائنات تستغفر لمن يطلب العلم ويعلمه ولأهل الخير وتشهد لمن تسمع أذانه فلماذا لا تدعو على المؤذي لها ولغيرها والنبي صلى الله عليه وسلم حذرنا بقوله اتقوا الملاعن أي اتقوا الأسباب التي تجلب دعاء الناس ولعناتهم ولولا أنها دعوات ولعنات حريات بالاستجابة لما حذّر منها عليه الصلاة والسلام، وأو لا يعلمون أن هذه النعمة التي حلّت بأرضنا في هذه الفترة من السنة إن حلّ الصيف بلهيبه دفعنا الأموال الطائلة سفرا لبلدان بعيدة غريبة لنتمتع بشيء مماثل لها، أفلا نشكر نعمة الله علّها أن تزداد وأن يبارك فيها لتعظم متعتنا بها { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. إن فضل الله واسع ورحمته لا تُحد ونعيمه يتوالى ولكن المفسدون في الأرض يحولون تلك الرحمة إلى نقمة وذلك الفضل إلى بلاء عبثوا في مجاري السيول ليحوزوا الدنيا وليعمروا أرصدتهم بأموال البسطاء الحالمين في مسكن يؤيهم ولا يدرون تحت أي بلاء رسمت مساكنهم وطرقاتهم فإذا جاءت السيول سالكة طريقها المعتاد عبر القرون الماضية وجدت أن طرقها قد قُطّعت وأغلقت فاصطدمت بمنازل أولئك المساكين البسطاء وطرقاتهم ليكونوا ضحية فساد وجشع فئة مجرمة، ومع يقيننا بأن الله تعالى لهؤلاء وأمثالهم بالمرصاد وسيصب عليهم يوما ما سوط عذاب جزاء ما أنزلوه من اذى بغيرهم فإننا نوقن كذلك أن هناك مفسدون آخرون يفسدون على الناس عقيدتهم ويشوهون جمال العبادة والصلة بالله تعالى من خلال وصف ما نزل بالضعفاء من أذى كعقوبة لذنوب ارتكبوها ومعاصي تلبسوا بها وكأنما يتشفون منهم أو يدافعون عمن ظلمهم ناسبين الظلم لله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا إذ أن من يعاقب البريء المسكين بجريرة ووزر المجرم إنما هو ظالم وباغ أشد ظلما وبغيا من المجرم، ما نزل من مطر في أي مكان فهو رحمة وما حلّ من أذى فهو بسبب جريمة ارتكبت في حق ذلك المجتمع والضحية غالبا هو بريء مخدوع خاضع لربه مطيع له محب للخير وأهله كاره للفسق وأهله فما نزل به فالله جابره ومخلف عليه خيرا وأما الظالم الجشع فنقول وكان الله على كل شيء رقيبا وكفى به حسيبا. احذر عبد الله أن تجعل من نفسك حكما على أقدار الله موزعا لعقوبات الله سل الله العافية لك وللمسلمين ودع المحاسبة لله وحده.
من الطبيعي أن من يعيش في أرضنا أن تشتاق نفسه للمطر وأن يتابع أخبار السحب وتحركاتها ولقد وفّرت أجهزة ومواقع الرصد العالمية معلومات لحظية عن تحركات الرياح ونشوء السحب وما أجملها من متعة وما أمتعه من شعور حين تلك المتابعة للسحب وهي تنشأ أو وهي تتقدم ولقد كان من المعروف عند السلف أن هذا العلم علمٌ له فنه ورجاله فليس بعلم جديد وإن تغيرت وتيسرت وسائله وأدواته، ولكن الإسلام دين سهل بسيط يدخله العبد بكلمة ويخرج منه بكلمة والله تعالى يحكم على العبد بما وقر في قلبه وما وقر في القلب فاللسان أداة استخراجه وتأمل في حال البعض اليوم وكيف تعلق قلبه وفكره بتلك المراصد والمهتمين بمتابعة الطقس لم يفرق بين نشوء السحب وحركتها وبين نزول المطر والنفع به، والتتبع المفضي للتعلق بغير الله تعالى أمره خطير قد يفضي للحرمان من النعمة إما بصرف المطر أو محق البركة وقد يخرج المسلم من دينه وهو لا يشعر عياذا بالله تعالى، فلنجعل من تلك المعلومات التي تجمعها تلك المراصد سببا للتعلق بالله تعالى وكثرة الرجاء فيما عنده، ألست ترى المتسول الفقير كيف يزداد تعلقه بذلك المنفق إذا أظهر في يده شيئا من المال وتجده يزداد قرباً وإظهاراً للحاجة علّه يتكرم عليه بشيء من العطاء بل لعله أن يزيد في العطاء إذا أعطى؟ هكذا يجب أن نكون مع الله تعالى إذا شاهدنا السحب الممتلئة قد توجهت نحو أرضنا نزداد ثقة في ربنا وتعلقا به سبحانه ونظهر حاجتنا وشدة فقرنا إليه نلّح في الدعاء بالخير وبالبركة فيه علّه سبحانه أن ينزل تلك الخيرات ويعمرها بالبركات وما شُكرت النعم ولا جلبت الخيرات بمثل أداء الصلوات المفروضات فما تقرب عبد لله بشيء احب إليه من أداء ما افترض عليه فلا تكن الأمطار النازلة ولا الأجواء الرائعة سببا لإضاعة الصلاة أو التقصير فيها والاستعجال في أدائها بلا طمأنينة اللهم أنت الله لا إله إلا أنت ، أنت الغني ونحن الفقراء أنت الملك لا شريك لك ولا ند لك وأنت الرحمن الرحيم قد وسعت كل شيء رحمة وعدلا اللهم إنا عبيدك لما أنزلت إلينا من خير فقراء لرحمتك لا غنى بنا عن فضلك اللهم قد مسنا الضر بغور مياهنا وقحط برارينا وأنت أرحم الرحمين اللهم فأسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم أغثنا اللهم اغثنا اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا ولا بالسفهاء من قومنا نستغفرك اللهم ونتوب إليك أنت مولانا فارحمنا وتقبلنا وتقبل منا
وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين
تعليقات
إرسال تعليق