تابع عشر ذي الحجة الخطبة كاملة

الحمد لله المتعال ذي العزة والجلال والملكوت والكمال الحمد لله على نعمه المتتالية وفضائله الدائمة والشكر له سبحانه كما يليق بجلاله وسلطانه وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا ما بين ايديكم من النعم نعمة الهداية والرشاد والأمن والإيمان والعلم والقدرة على العمل ونعمة التمكن من شكر تلك النعم فالجنة أقرب لأحدنا من شراك نعله بيدنا دخولها والتنعم بها إذ الأمر لا يتطلب سوى إيمانا بوعد الله وعملا بما أمر به الله واستغلالا لما أنعم به الله.
عباد الله إن أفضل ما كسبته النفوس وحصّلته القلوب هو العلم والإيمان ومن حازهما فهو بخير مقام ألم تر كيف استشهد الله تعالى بقول أهل العلم والإيمان { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ووعد سبحانه أهل العلم والإيمان برفعة الدرجات فقال جلّ جلاله { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }
ونحن عباد الله اليوم في نعم وتحوطنا نعم وتظلنا أيام هي نِعم أيام عشر ذي الحجة علينا أن نعلم ما أعدّ الله لنا فيها وما وعدنا به، ونؤمن حقا بهذا الوعد ونتطلع للوفاء كما هو حال المؤمنين الذين مدحهم الله على قولهم { رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ }
ها هو يوم عرفة يلوح في الأفق فهل علمنا ما هو يوم عرفة ؟ إنه يوم يتباهى فيه الله تعالى بعباده فهلم نجعل أنفسنا ضمن أولئك الذين يتباهى الله بهم؟ لنعلم أن الملك إذا تباهى بشيء فإن هذا من عظيم فرحه وسروره ورضاه سبحانه ومن رضي رضا حد إظهار الفرح والسرور فإنه حينها لا يعرض عن دعاء داع ولا يؤخر إجابة مسألة ولا ينقطع سيل رحماته المتنزلة وكل ذلك يكون يوم عرفة ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ } مالك.
فاستبشروا بيوم عرفة يا من حججتم بيت الله الحرام واستبشروا بيوم عرفة يا من أقمتم في دياركم ومنازلكم فهو يوم قد قضى الله تعالى على نفسه أنه لا يرد فيه أحدا تقدم بقربة أو رفع يديه لمسألة أو وضع على الأرض جبهته تعظيما لربه واستغلالا لفرح ربه، وهيئوا الفرصة لقبولٍ أعظم ولمغفرةٍ أوسع حينها وذلك بصيام يوم عرفة فإنك إن صمت يوم عرفة وتقربت بصلاة ودعاء جمعت لنفسك عددا من محبوبات الله وتزامنت مع فرحة الله تعالى، الدعاء مخ العبادة والصوم من أحب العمل لله وعرفة من أحب الأيام إلى الله يقول صلى الله عليه وسلم وَصِيَامُ عَرَفَةَ إِنِّى أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ } مسلم
فقط تقرب لله بما يحب الله في يوم فرحٍ لله يكن هذا الفضل جزء من تلك العطايا المنتظَرة. وإن استطعت أن تصوم يوما غير يوم عرفة فهو خير على خير تقدمه لنفسك.
ومن العمل المحبوب عند الله نحر الأضاحي يوم العيد، الأضحية قربة عظيمة تقع عند الله بمكان من حيث القبول ومضاعفة الثواب قبل أن يصل دمها للأرض فطيبوا نفسا بما تدفعوا من ثمن لهذه الأضاحي فإن ثمن أغلاها لا يصل لقيمة هاتف ذكي يلعب به الصبية ويتلفهم، فأظهروا تعظيم الشعيرة بانتقاء الأضحية الطيبة وإكرامها والعناية بها منذ شرائها وحتى نحرها والأكل منها وذلك بعدم إخراجها كاملة فالله تعالى أمر بالأكل منها بقوله { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } وهذا توجيه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى.


الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم السلطان أحمده سبحانه وأشكره واثني عليه الخير كله وأصلي وأسلم على خير خلق الله محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فإن دولتنا رعاها الله تقدر لمواسم العبادة قدرها وتعين شعبها ما استطعت على استغلال تلك المواسم بما يعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم ولذلك تمنح إجازة رسمية لموظفيها وطلاب مدارسها حتى لا يكون لأحد منهم حجة في عدم استغلال هذا الموسم فهذه الإجازة حجة علينا لا لنا وإن من الغبن للنفس أن تضيع هذه الأيام في لهو وغفلة في سهر يهلك الصحة ويقتل ساعات النهار المباركة التي هي خير ساعات السنة قاطبة، وإن مما ابتلي به الناس اليوم وفي هذا الموسم المبارك فأضاعوا على أنفسهم خيرا عظيما هو تتبع الصيد والسفر لأجله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَدَا جَفَا ، وَمَنْ تَبِعَ الصَّيْدَ غَفَلَ } أحمد وصححه الألباني
غفلة عن أنفسهم وعن أهاليهم غفلة عن دينهم وعن دنياهم غفلة قد تهلكهم أو توقعهم تحت طائلة دعاء مسلم ظلموه باقتحام مزرعته أو قريته أو روعوه وأهله بصوت بنادقهم الممنوع نظاما استخدامها وتوقعهم تحت طائلة مخالفة الأنظمة، ومن غفلتهم أنك إذا نبهت أحدهم لذلك قال الحمد لله الصلاة وما تركناها! فاكتفى في موسم كهذا بأداء الصلاة مع أنه يصليها قصرا وجمعا وعلى عجل، أضاع على نفسه السنن والأذكار وفَقَدَ عون الاستقرار وجماعة المسجد على الطاعة وأمور كثيرة فقدها بسبب تتبعه للصيد وهو الذي إن فقد طيرا قطّع نفسه حسرة وألما.
وفي الحديث عن الصيد يحسن إيراد أمراً مهماً كثر الوقوع فيه مؤخرا والتباهي به وهو الصيد بالحذف أي الرمي بما لا يسفك دما كالحجارة ونحوها التي تقتل بثقلها لا بحدها وهي الموقوذة الواردة في قوله جلّ جلاله { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ ... الآية  وكذا قتل الطيور مباهاة وسرفا أو لهوا وتمرينا لليد أو للسلاح فقد : مر ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا } مسلم.
ختاما تذكروا عباد الله أن الله جعلنا لنا هذا الموسم منسكا يقول سبحانه { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ () الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } فلنكن منهم أيها الأحبة نصلي ونتلو ونكبر ونهلل ونحمّد ونسبح نصوم وندعو ونعتني بأضاحينا ولتكن إجازتنا عونا لنا علّنا أن نكون من أولئك المخبتين المبشرين 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل