اذا حازوا القوت لزموا البيوت

حديثنا اليوم هو عن تلك البقعة التي يملكها كل منا والتي يريد صاحبها من الآخرين تقديسها وعدم التعرض لها، هي البيت مأوى الأسرة وحضنها الدافئ تلك الجدران التي تحوي أسرار الأسرة وخصوصيتها. كلمة البيت لها وقع في النفس أكبر من كلمة القصر العظيم والحدائق الغناء فالبيت غناء الروح وراحة الجسد وهناءة العيش ، البيت يعني مستقر الأسرة ويعني الأسرة ذاتها والبيت هو أحد الأركان الثلاثة لهناءة الحياة أو شقائها عن عبدالله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا عدوى ولا طيرة وإنما الشؤم في ثلاثة المرأة والفرس والدار } مسلم . يؤكد جل وعلا على عظمة المساجد فيصفها ببيوته سبحانه وتعالى، يخص تبارك وتعالى المسجد الحرام بخصوصية عظيمة فيصفه بالبيت، بنى جل وعلا مقرا في السماء للعبادة فسماه البيت المعمور لما أرد الله تعالى تخصيص طائفة من المؤمنين بخصوصية ما وصفهم بأهل البيت { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } لما نال امرأة فرعون الأذى ولم تقدر على التحمل طلبت من ربها ان يعوضها عن قصور فرعون وأملاكه ببيت في الجنة إذ أن  كلمة البيت لوحدها لها وقعها ولها أثرها الفعال في سكون النفس وطمأنينتها فكيف بالبيت نفسه، البيت له خصوصيته وله عظمته فهو كيان الفرد وكيان اسرته ، حينما تجتمع مع صحبك في بيتك فإن البيت يفرض احتراما وترفعا عن كثير مما يراه البعض تصرفا عاديا إذ البيت تبييت للأدب وبياتا للروح والجسد ومصدرا لنعيم هو من أفضل نعم الجنة كما أن البيت مقرا لعبادة عظيمة صلاة النافلة حيث لا يعلم عنها أحد. البيت ذلك السر العجيب الذي يجعلك مقبلا على الطاعة مصانا عن السفاهة مقارنة بغيره من أماكن الراحة ، في فترة الاختبارات لزم الشباب منازلهم فعمرت المساجد بهم وسعدت بهم أسرهم واطمأنت عليهم ، في البيت عادة تتنعم الأسرة بنعيم من نعم الجنة نعيم تسأله الملائكة للمؤمنين وتتوسل إلى الله أن يمنّ به عليهم { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فالاجتماع الأسري نعمة لأهل الجنة ونعمة من نعيم الجنة بين الناس من شاء تنعم به أو حرم نفسه ، تجتمع الأسرة فتحل البسمة وتعم الفرحة ويتسابق الجميع للخدمة وحينما يغادر أحد الابناء البيت فلابد من خوف وقلق من الآباء والأمهات ، ولا يُفرح بخروج أحد من البيت إلا لمن كان خروجه لأجل عمارة بيت ، ومن فقد ذلك الشعور وتلك المشاعر في بيته فقد أضاع على نفسه نعيما من نعم الجنة ، ومن عناية الله تعالى بالبيت وأهله أنه سبحانه يزرع في قلوبهم ودا يدفعهم للاجتماع حتى لا يطول بل لا يحدث فراق وتراحما يحملهم على تحمل الأخطاء والتغاضي عنها حتى ا تحمل القلوب ما يسبب الفراق ، البيت يحمي ملازميه من الشبهات والريب واللصوص يترددون كثيرا قبل الدخول إليها والحكومات تفرض على رجال أمنها رعاية حق البيت واحترام ساكنيه بخلاف مقار تتخذ مقار للاجتماع والنوم يستراح فيه من الخلق الرفيع وتتساقط فيه الآداب بين مرتاديها ولذلك كان من خلق الصالحين أنهم إذا حازوا القوت لزموا البيوت . يحتاج المرء بطبعه لمخالطة الناس والاجتماع بهم ولكن حاجته للبيت وأهله وحاجة بيته له أعظم من تلك الحاجة فوجب أن يجد البيت عناية واهتماما يناسب أهميته ودوره ، مسكين بيت يكتفي ربه بالنوم فيه وبالنفقة على أهله ومسكين بيت يبادر شبابه للخروج منه بمجرد استيقاظهم من نومهم ومسكين بيت يعيش كل فرد من أهله لوحده له اهتمامه الخاص وعالمه الخاص وله دردشاته الخاصة به مساكين أهل بيت لم يجدوا حاجتهم في بيتهم فاتخذوه مقرا للنوم أو الأكل وبحثوا عن الابتسامة والانبساط خارجه ومع غير أهله.
وقد قيل إن أفضل ميراث يورثه رب الأسرة لأسرته هو دقائق يقضيها في بيته بينهم فيكون شريكا وأسوة ومعلما لهم ، خدم النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، خدم نفسه وخدم أهله أفسح لهم المجال في الحوار والنقاش والاختلاف أذن لهم ببعض ما يكرهه وهيئ لهم ما استطاع من لهو ورفاهية فكان بيته بالرغم من فقره اسعد البيوت في مدينته ، ولأن الأب هو الراعي وهو المنظم للبيت وهو من ستقر عينه ببيته أو يشقى فعليه أن يوفر في بيته ما يجمع أسرته وعليه أن يستكشف اهتمام كل فرد منهم ليوائم بين حاجاتهم يشاركهم العمل والنقاش والاهتمام ويتنازل عن بعض ما يفرضه سنه ومظهره ومكانته ليجدوا به غنية عن كثير ممن لا تطمأن القلوب لهم ، على الأسرة تخصيص وقت في ليل أو نهار للاجتماع لا يؤذن لأحد بالتغيب عنه ولا ييأس من التذكير به والدعوة إليه ولا يستكثر شيء عليه فالاجتماع نعيم وأمان وطمأنينة فهو غال ومهم ولهذا يتطلب ما يغري بالحضور له وما يغري بترك الرفقة وترك العالم الخاص في برامج التواصل المختلفة لأجله. وأختم بالتذكير بأمرين لي ولكل اب لنتأمل في شاب اطمأنت أسرته لتربيته ولخلقه ولرجاحة عقله ثم نجده يُسلم عقله لشيطان يدعوه لتفجير نفسه ولسفك دماء الآخرين وترويعهم فليكن لشبابكم منكم اهتماما يعينهم على عدم إسلام عقولهم وأجسادهم وأرواحهم لذوي الفكر المنحرف فلا نستكثر ولا نستحقر شيء قد يكون سببا لاعتيادهم بيوتهم ، وللشباب أذكّر بحديث وصف به النبي صلى الله عليه وسلم أعمالا يبغضها الله تعالى فاحذروها لا تشابهوا اصحابها بشيء ترفعوا عنها وعن أهلها عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب بالأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة ) ابن حبان وصحح الألباني والأرناؤوط
فلزوم البيوت غالب الأوقات وأداء الصلوات في أوقاتها جماعة يحميكم بإذن الله من تلك الصفات

 اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا وإياهم مقيمي الصلاة واجعلنا للمتقين إماما واجعل بيوتنا عامرة بطاعتك وبالاجتماع على ما يرضيك ويقربنا إليك وصل الله وسلم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل