فضل الصدقة

يقول الله تعالى ناصحا إيانا مشفقا علينا مريدا الخير لنا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }
ذلك الغد هو يوم تغرغر الروح والملائكة صافة من حولنا تنتظر الإذن لها إما ببشارتنا أو بنزع الروح، ذلك الغد هو يوم تأتينا أعمالنا في قبورنا إما تسرنا أو تغمنا، ذلك الغد هو يوم يقف الجميع تحت لهيب الشمس فمنا من يستظل تحت العرش أو يستظل تحت سورتي البقرة وآل عمران أو يستظل تحت صدقته، ذلك الغد يوم نعرض على جهنم { وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } فيسقط الكثير فيها ويتقيها البعض بصدقته يقول عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ } البخاري. ذلك الغد هو يوم تخرج من لقاء ربك بكتابك مستبشرا تبشر أهلك وأحبتك { يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ () فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ () فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً () وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً } جعلنا الله ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وأحبتنا منهم برحمته وبفضله .
عباد الله تمتاز هذه الأيام بلهيب الشمس وسموم الحر وضيق الأنفس تبعا لذلك إلا من رحم الله فهلم بنا نخرج في نزهة نحو مزرعة من مزارع الدنيا في مكان مرتفع قليلا أرضه طيبة وهواؤه عليل ومطره مستمر في ذلك المكان أشجار من كل صنف تمر وعنب وفواكه وخضرة متنوعة والمياه جارية ذات اليمين وذات الشمال صاحب تلك المزرعة لا يعمل سوى قطف الثمر فلا هو يسقي ولا هو يتابع فالثمر في موسمه حاضر والماء جاري لا يفسد بركوده وحيثما أراده وجده والهواء عليل لا بارد يضر ولا حار يكدر معتدل لا يتكون معه ما يؤذي من الحشرات . هذه جنة وصفها الله تعالى لعباده فقال سبحانه { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } بل وصف الله نتاج النفقة في سبيله بقوله تعالى { مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ولما بيّن جل وعلا حال الكفار في الآخرة نادى في المؤمنين رحمة بهم حتى لا يهلكوا فقال سبحانه { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ () جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ () وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ () قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } فأي حب وإرادة خير بعد هذا قل لعبادي الذي آمنوا. إنه سبحانه يريد أن يتوب علينا وأن يعظم الأجر لنا وأن يقينا شر أعمالنا فهو ربنا الرحيم بنا. فهل تريد الأجر؟ هل تريد الأمن؟ هل تريد الفرح والسعادة؟ كل ذلك لك حق على الله أن يوفيك إياه إن اتبعت ما نادى به يقول جل جلاله واعداً المنفقين { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ } البخاري. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا } متفق عليه. وفي مجال النفقة حين الحاجة لم يعذر الله تعالى أحدا إلا فئة واحدة فهل أنت منها ؟ يقول جل وعلا { وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ }
أيها الأحبة كانت النفقة في سبيل الله ولا زالت ميدان التنافس للمسلمين جميعا حتى من قلّ دخله فبالرغم من حاجته إلا أنه ينفق ولو شيئا يسيرا علّه أن يدخل في قائمة المقرضين لله تعالى ليستوفوا أجورهم بغير حساب. وأهل صدقة التطوع بينهم الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام يقول تعالى { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ } ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك } النسائي وصححه الألباني وقانا الله شح أنفسنا وجعلنا من أهل الصدقة المستظلين بها
عباد الله اطلبوا مرضاة الله بتقواه وبذكره واتقوا سخطه والنار ولو بشق تمرة يقول الحبيب عليه الصلاة والسلام : عليكم باصطناع المعروف فإنه يمنع مصارع السوء و عليكم بصدقة السر فإنها تطفئ غضب الرب عز و جل } صححه الألباني. أيها الأحبة للفقراء في بلدكم أولوية على غيرهم كما لذوي القربى أولوية وفي رمضان تمتاز روح المؤمن بأنها تشابه روح نبيها فتكون كالريح المرسلة عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ} متفق عليه. ولأن الصدقة قرض لله تعالى فهي عبادة عظيمة جليلة يجب أن يعتنى بها فينبغي للمتصدق أن يبذل غاية وسعه في البحث والتحري عن المحتاجين وعليه أن يصون هذه العبادة عن أيدي أولئك المتسولين الذين امتهنوا التسول وابتذلوا أنفسهم وأهليهم في سبيل جمع المال فلا يتورعون عن التعرض لمن يرجون صدقته في أي مكان ولا يتورعون عن الزج بنسائهم وأطفالهم في الطرقات والأسواق والأرصفة تحت لهيب الشمس أو في قسوة البرد بل وحتى لو تعرضت النساء لأذى السوقة والساقطين، فحماية لكرامة المسلم وعرضه نجبر ذلك المتسول على الكف عن امتهان نفسه وأسرته من خلال الامتناع عن إعطائهم ، ومن تعذر عليه الوصول للمستحقين فإن الجهات الخيرية تكفيك هذه المئونة مئونة صيانة العبادة ومئونة الوصول للمستحقين فنظامها الرسمي ملزم لها بان تعتني بالوصول للمستحقين كما أن تسليمك الصدقة لهم عون لهم على الاستمرار في مهامهم الوطنية فنحمد الله على وجودهم ونسأل الله العون لهم وأدعو للمشاركة في برامجهم الخيرية المتنوعة جمعية البر المستودع الخيري مكتب الدعوة التعاوني جمعية التحفيظ جمعية إنسان الخاصة بالأيتام جهات موثوقة ومتابعة رسميا وأعمال متعددة تناسب الجميع يحول وقت المقام عن ذكرها وهي معلنة مبينة، كما أدعو لزيارة هذه الجهات الخيرية دعما للقائمين عليها فهم بحاجة للتشجيع ولو بكلمة طيبة كما أن مشاريعهم الخيرية بحاجة لدعم تستمر بسببه، وبالتأكيد لن ننسى إخواننا في سوريا فالحملة الوطنية لدعمهم مستمرة والبلاء بهم يزداد شدة ولتذكر قول الله تعالى { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } وقوله صلى الله عليه وسلم : كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ}  

ختاما أذكّر بأنه قد مضى من رمضان أكثر من مائتي ساعة فماذا كسبت منها؟  وأذكر بأن صاحب القرآن التالي له إذا أدخل الجنة قيل له ارتق في الدرجات فمنزلتك عند آخر آية تقرأها  واعمل على ألا تقف إلا في الفردوس الأعلى جعلنا الله من أهله كما اذكّر بساعة الجمعة فهي ساعة لا يرد فيها سائل يسأل خيرا إنها غنيمة استغلها من بعد صلاة العصر في تلاوة وفي تسبيحة وذكر وفي دعاء ومسألة وكذلك في صلة ذي رحم هاتفية او شخصية أسأل الله تعالى أن يبارك لنا في رمضان وان يعننا على ذكره وشكره وحسن عبادته ، ونسأله سبحانه أن يكرمنا بالحظوة عنده والفوز بمرضاته وأن يجعلنا ممن يفرح بصيامه لحظة فطره ويفرح بصيامه يوم لقاء ربه . ثم  صلوا على من تمنى رؤيتكم وبكى شوقا للقياكم وعدّكم إخوانه وفضّلكم على بعض أصحابه إن التزمتم سنته وحافظتم على شريعته وهديه اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل