في تعظيم الصلاة

لقد أنكر جلّ وعلا من طائفة من خلقه فقال سبحانه { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }
فمهما كان الخلل في قلوبهم ومهما استطاع الجهل أن يغلّف عقولهم إلا أنه لا مبرر لهم في عدم إدراك قدرة الله تعالى في إطلاعه وعلمه وتمكنه وبديع صنعه واختياره وإرادته وقضائه وقدره وبلوغ ونفوذ أمره على السموات والأرض ومن فيهن وما بينهن فأمر الخلق والتدبير واضح جليّ يدركه كل ذي لُبّ يتفكر فيما حوله ، والمؤمن الذي استحق الإيمان واستحق قرب ورضا الرحمن هو التقي الذي يدرك ما سبق من قدرة الله فيتقي علم ربه بخواطر قلبه وبسلوك جوارحه فيكن الحرام بعيدا عنه ما استطاع والواجب قريبا حاضرا ما استطاع والمباح يحوطه ويحصّنه عن القرب من المحرمات، فالتقوى صفة المؤمنين وبالتقوى نادى الله عباده المؤمنين فنسأل الله العون على أن نكون منهم .
عباد الله ومن أهم ما يتقى الله فيه وأصدق ما يكشف للمرء صدق تعظيمه لقدرة الله هي الشعيرة العظيمة الصلاة فتعظيم الشعائر من تقوى القلوب وأهم وأعظم وأولى الشعائر هي الصلاة، ذلك أن الصلاة صلة بالله والصلاة تجعل المصلي في أقرب منزلة إلى الله، ومن أهمية الصلاة أن الله جلّ في علاه ينظر لكل مصلي على حدة يستمع له وينظر مسألته ما دام المصلي مقدّرا الصلاة ومقدّرا وجود الله قبل وجهه ينظر صلاته ويسمع مناجاته، وإن في رفع الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام إلى السماء السابعة وتقريبه إلى منزلة لم يصلها مخلوق لا ملك مقرب ولا نبي مرسل كي يفرض عليه الصلاة لهو تنبيه إلى أنك أيها المصلي بالصلاة تكن في أقرب منزلة لربك فلا تفرط فيها عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ فَإِذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَبْزُقَنَّ أَوْ قَالَ لَا يَتَنَخَّمَنَّ ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ }البخاري. وعن حُذَيْفَة أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي: إِذَا قَامَ الرَّجُلُ فِي الصَّلاَةِ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَلاَ يَنْصَرِفُ عَنْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ حَدَثًا.} ابن خزيمة والبزار وحسّنه الألباني. من أحب الأعمال إلى الله أداء الصلاة في أوقاتها، من حب الله للصلاة أن فتح باب المضاعفة لأجر المصلي بلا حساب فجعلها خمس صلوات في اليوم الليلة وبأجر خمسين صلاة وجعل الصلاة مع الجماعة تعدل صلاة الفرد بسبع وعشرين صلاة كما أن الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف صلاة والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وحدد أوقات الصلاة بنفسه حتى لا تُشغل الدنيا العبادَ عنه وعن ذكره ، سمى الله الصلاة إيمانا فقال { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } أي ما كان الله ليضيع عليكم صلواتكم قبل تغيير القبلة، فهي إيمان لأن كل أعمالها توحيد وإخلاص وذكر ودعاء وتقوم على طهارة لا يعلمها إلا العبد وربه ولا يحافظ عليها إلا مؤمن، من حب وتعظيم الله للصلاة ما أخبرنا به رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا وفي لفظ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ} البخاري. مدح الله تعالى المصلين وميّزهم فقال سبحانه { إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً () إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً () وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً () إِلَّا الْمُصَلِّينَ () الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ } مدح تعالى إسماعيل لأجل الصلاة فقال { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } هي شعار الأخوة الدينية { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }
فعمل يُعظّمه الله تعالى لهذا الحد فيتولاه بنفسه ويقترب فيه من عباده ويضاعف أجره ويمتدح أهله إنه لعمل لعظيم وإن فرّط فيه الكثير، ولئن غفل عن ذلك الكثير فحريٌ بك أن لا تغفل فكلنا نحب ان يعظّمنا ربنا وأن يستمع لنا إلهنا وخالقنا وأن نخرج من تلك الصلاة برضاه عنا فإنه سبحانه إن رضي جعل الرضا حليفا لنا والمرضاة حافّة بنا والفلاح عاقبة أمرنا عباد الله لنتذكر دوما ولنتأمل جيدا قوله سبحانه { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى () وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى () بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا () وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } ولنتذكر ولنتدبر قوله جل في علاه { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى }
ولنعلم أنه لكراهيته لفلاحنا وسعادتنا ورضانا كان لعدونا إبليس هدفان رئيسيان بيّنهما لنا ربنا جل في علاه فقال محذرا { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } يريد أن يوقع بيننا العدواة والبغضاء بشتى السبل ويريد أن يصدنا عن الذكر وعن الصلاة فهل ننتهي عن إعانة الشيطان علينا ؟
اللهم نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى ونسألك بأننا لا نشرك بك شيئا أن تحفظ من الشيطان أن يوقع بينا وبين إخوتنا عداوة وبغضاء أو أن يتمكن فيصدنا عن ذكرك والصلاة اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واجعلنا وازواجنا مقيمي الصلاة وذرياتنا يا عزيز يا غفار وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل