رجب ليكن بداية التحول للأفضل
في زمن الجاهلية الأولى حيث الشرك ضارب أطنابه في جزيرة العرب وحيث الإجرام من سفك الدماء وسلب ونهب الأموال والأنفس عادة محكّمة ومفخرة لديهم لا تقبل النقاش ولك أن تنطلق بخيالك حول تخيل الحياة آنذاك من خوف وقلق خوف المسافر على نفسه وخوف أهله عليه وخوفه هو عليهم فلا المسافر مطمئن ولا المقيم في مقره آمن مطمئن ، وفجأة تتبدل الأحوال فيزول الخوف تماما ويطمئن الناس على كل شيء لهم ولك أن تنطلق بخيالك مرة أخرى لتتخيل حال جزيرة العرب وقد عمها الأمن والأمان وتنقل الناس بكل راحة بال للتجارة أو الرعي وناموا ليلهم بدون حاجة لحراسة ولا ترقب عدو يداهمهم ! والسر في هذا التحول هو حلول الشهر الحرام بالرغم من أنهم قوم مشركون يعمهم الجهل . يقول سبحانه { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } في كل الممل وفي كل الدول نجد أن السنة اثنى عشر شهرا ذلك لأن الله تعالى قضى بذلك فكان فطرة ومنهجا لدى الجميع، واختار سبحانه وتعالى من هذه الشهور أربعة عظّمها جل وعلا ودعا لتعظيمها ونهى عن الظلم فيها. هذه الأشهر الأربعة بيّنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في حجة الوداع : إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ } البخاري. لما ضعفت الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام في جزيرة العرب طغى الكفر والشرك والجهل وجعل أهل مكة من أنفسهم مصدر تشريع فيما يتعلق بالحج والبيت الحرام والأشهر الحرم فقاموا بتبديل بعض شعائر الحج ومواقيت الحج والأشهر الحرم تبعا لأهوائهم ومصالحهم التجارية يقول جل جلاله { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } ولما عادت الملة الحنيفية للجزيرة العربية على يد محمد عليه الصلاة والسلام عاد معها التحريم لهذه الأشهر كما أمر به الله تعالى في أول الأمر من غير تقديم ولا تأخير, ولا زيادة ولا نقص, عادت للأشهر الحرم حرمتها كما عادت للكعبة حرمتها. ورجب يعني المبالغة في التعظيم وكان يسمى بالشهر الأصم لأنه لا يُسمع فيه صوت للسلاح. رجب شهر محرم عظّمه الله تعالى وعظّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظّمه المسلمون الأولون ولنعمة الأمن نسيه المتأخرون إلا من بدع ما أنزل الله بها من سلطان بل هي من خطوات الشيطان التي يستعين بها على إضلال عباد الله، فشرع الشيطان لأوليائه ولجهال الأمة عبادات يتقربون بها جهلا إلى الله تعالى، ما شرعها الله جل وعلا ولا عملها رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا السلف الصالح رضوان الله عليهم فضلوا وأضلوا ، كتخصيص بعض ليالي رجب بصلاة أو بعض أيامه بصيام أو ذبح، وبعضهم جعل شهر رجب شهر إخراج الزكاة تعبدا لله ونحو ذلك من بدع ما أنزل الله بها من سلطان، بل تباعد بين المسلم وبين نبيه صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى قد جعل لكل نبي حوضا تلتقي عنده أمته به ليسقيهم وليطمئن عليهم فيرد أناس من أمته ليردوا حوضه ويلتقوا به فإذا رآهم عليه الصلاة والسلام فرح بهم وانطلق إليهم مرحبا مهللا فتمنعهم الملائكة من الوصول فإذا احتج عليه الصلاة والسلام قالت له الملائكة إنك لا تدري ما أحدثه هؤلاء بعدك من بدع في دينك فيقول حَزِناً متألما سحقاً سحقا. في رجب صم وزكّ مالك واعمل الصالحات مثل ما كنت تعمل قبل، إلا العمرة فقد استحب بعض الصحابة وبعض أهل العلم أداؤها في رجب يقول ابن كثير عن الأشهر الحرم : وَحَرَّمَ رَجَب فِي وَسَط الْحَوْل لِأَجْلِ زِيَارَة الْبَيْت وَالِاعْتِمَار بِهِ لِمَنْ يَقْدَم إِلَيْهِ مِنْ أَقْصَى جَـزِيرَة الْعَـرَب فَيَزُورهُ ثُمَّ يَـــعُود إِلَى وَطَنه فِيهِ آمِنًا ... )) انتهى كلامه رحمه الله في رجب بالغ في ترك واجتناب المحرمات وأهلها فمعلوم ما قضى به الله تعالى من تعظيم بعض الأزمنة على بعض فمنها أيام كاملة ومنها ساعات من اليوم والليلة جعل الله لها منزلة خاصة والعمل فيها يكشف عما في نفوس العباد من تعظيم لتلك اللحظة، ولعل تلك اللحظة الفاضلة بما يُقدم فيها من صالح العمل تكون بداية تحول وتغير في سلوك الإنسان نحو الأفضل فمثلا رمضان وأشهر الحج والأيام البيض ويومي الاثنين والخميس وساعة الضحى وآخر الليل وغيرها كثير لحظات يتقرب فيها العبد لربه بمزيدٍ من الطاعات البدنية والمالية ولعل ذلك العمل الخاص بتلك اللحظة يكون سلوكا دائما للمسلم في سائر أيام ولحظات عمره، وكذلك الأشهر الحرم أشهر عظمّها جل وعلا وأحب من عباده تعظيمها، والقربةُ فيها تختلف عن غيرها من القربات في الأزمنة الأخرى فإن القربة إن كانت هناك إقداما على العمل فهي هنا كفاً وتركاً وإحجاماً عما لا يليق من القول والعمل ومجانبة كل سبيل يعتدى فيه على عرض ومال بني الإنسان قاطبة والمسلم خاصة. يقول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع بعد ذكره لحرمة المكان والزمان : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ } البخاري ولئن كان ضرب الرقاب ونهب الأموال والاعتداء على الحرمات ضلالا وفاعلها ضال فإنه ما من رقبة ضربت ظلما ولا مال نهب ظلما ولا حق اغتصب ظلما إلا بسبب غيبة ونميمة استهان بها قائلها ومستمعها فلنجعل من شهر رجب نقطة التحول نحو الأفضل اجتنابا للغيبة وكفا عن سماع النميمة، والغيبة ذكرك أخاك بما يكره والنميمة نقلك عنه خبرا يوغر صدور الآخرين عليه ولو كان حقا أما إن حدثت الناس عنه بما ليس فيه فقد بهته والبهتان أشد من القتل عاقبة الثلاث كلها الحرمان من الجنة، ولا يسمح بنقل الحديث عن الآخرين إلا لأجل بيان حق لمن طلبه أو تحذير لمن يوشك أن يتضرر منه لخفاء جرمه وظلمه، لنجعل من شهر رجب شهر تغيير للعادات المذمومة فنمنع كل مغتاب من أن يجد أذنا صاغية تعينه على الاسترسال في غيبته وبداية تصفية للأجواء المحتقنة بيننا وبين الآخرين أو بين أحبتنا ممن حدث بينهم خلافا ، العرب في الجاهلية نسبت شهر رجب لقبيلة مضر بسبب التزامها من بين القبائل العربية بتعظيمه وتركها ما لا يحل لها فيه ونحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أولى أن ينسب لنا شهر رجب فليرى تعظيمه علينا حتى نعرف عند الله وعند خلقه بأننا معظمون للشهر الحرام وكما سبق رجب يعني المبالغة في التعظيم وكان يسمى بالشهر الأصم لأنه لا يُسمع فيه صوت للسلاح فلعلنا لا نسمع فيه غيبة ولا نميمة ولا صوتا محرما ولنعظّمه بترك الاعتداء والظلم قولا وعملا في البيع والشراء وفي إنجاز المعاملات ورد المعوقات عن المراجعين في دائرة وضعنا الله تعالى فيها
تعليقات
إرسال تعليق