وأما بنعمة ربك فحدث

حينما تتأمل في الحياة من حولك ستجد فقيرا محروما مبتسما وستجد ثريا مترفا متجهما ستجد شابا صحيح الجسم خاليا من المسئوليات الاجتماعية عاطلاً متذمرا وستجد كهلا ضعيف الجسم ينوء جسمه بهمّ أسرة ساعيا حامدا وشاكرا، وستجد الشاكي المتذمر محروما مهموما وستجد المبتسم الشاكر مستمتعا بحياته سائرة أموره بخير وفي خير، إنه الإيمان بالقضاء والقدر الذي يجعل المسلم يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أصابه مما يحب أو يكره هو بأمر الله وبمشيئة الله وباختيار الله له، وهو يعلم أن الله لا يختار لعبده ما يسوئه أو يعذبه لذا فلا تجد في لفظه ما يوحي بتسخطٍ أو تذمرٍ أو تشكيٍ لا يغني عنه شيئا، عامة مجالسنا اليوم لا تخلو من رجل قد اتخذ على نفسه عهدا أن يُسمع من حوله تسخطه وتذمره على كل شيء حوله بالرغم من إعلانه إيمانه بالقضاء والقدر بل بالرغم من استمرار ارتكابه لما يتذمر ، تجده يتذمر في قضية تكاتف المجتمع وتواصله مع بعضه وهو أقل الناس صلة بذوي رحمه، وتجده يتذمر من غلاء المعيشة وهو يتلاعب بأمواله في أجهزة وسيارات ورحلات متوهما أنه يرفه بها عن نفسه، تسأله عن صحته أو صحة أحد من أهله وقد نزل به عرض موسمي بسيط فيجيبك بلفظ وتعابير وجه توحي لك بأنه في حال ميؤوس منه، يتذمر بما يُوّلد في نفوس المستمعين له همّاً وقلقا قد لم تنزل بهم أسبابه بعد،  تأمل في حال هذا الرجل وأمثاله تجده قد عوقب بالحرمان من متعة نعيم بين يديه هو يصلي ويذكر الله ويتلو كتاب الله ولكن لم يُظهر في مجلسه ولا منطقه شكرا لله على نعمه فعوقب بالحرمان مما بين يديه وعوقب بالحرمان من حظه في الابتلاء ليكون ما نزل به عقوبة له وزيادة في بُعده عياذا بالله. توقفَ الوحيٌ عن النزول لفترة فكثرت الأقاويل من المشركين وشعر النبي عليه الصلاة والسلام بالقلق ولكنه استمر في دعوته وفي عمله لعلمه أن ربه معه ولن يخذله ، ثم نزل الوحي بعد مدة بسورة الضحى وفيها قسمٌ من المولى جل وعلا بأنه مع نبيه لم ولن يتركه ولم لن يبغضه، والنص الإلهي ما لم يرد خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو له ولأمته، فالقسم هنا قسمٌ من المولى جلّ وعلا للنبيّ ولكل مؤمن بأن الله معك لم ولن يتركك، يحبك لم ولن يبغضك ما لم تبدأ أنت في البعد والكراهية. في هذه السورة جاء مع القسم خبرٌ ووعدٌ وشروط ، الوعد أن يعطيك الله حتى ترضى وإذا رضيت فلك في الآخرة خير مما أعطيت وأعظم. والشروط أولها الاعتراف بفضل الله عليك في حالك الحالي أيا كان فهو أفضل مما سبق بدرجات ، وأن تحسن لليتيم وتتلطف به كما لو كنت أبا له ولا تعرّضه لما يقهره ويذله فإكرامك لليتيم سبب لإكرام الله لك ، ولا تتكبر ولا تتجبر فلا تنهر سائلا يطلب علما فقد كنت ضالا لا تعلم شيئا فهداك الله ولا تنهر فقيرا يطلب حاجة فقد كنت عائلا فأغناك الله، قدّم للناس ما يحتاجونه منك مما تستطيع خدمتهم به كن بهم بارا رحيما يبرك الله ويرحمك، وحدّث بما أنعم الله به عليك { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدّث بها وكان بعض السلف يرون العمل الصالح من نعمة الله فيحدثون به بالرغم من أن البعض يراه رياء لعلمهم أن التحدث بالنعمة هو سر الرضا وجالبه وهو سبب الزيادة فيها وجالب غيرها ، فما هو الحديث عن النعمة؟ ثم ألم يأمر الله تعالى بالتعوذ من شر الحساد وبأخذ الحيطة من الأشرار؟ ألم يحذّر من الرياء وأخبر أنه سبب لبطلان ورد الأعمال؟ فلماذا يأمر هنا بالتحدث بالنعم؟ الحديث عن النعمة لا يعني كشف الأسرار ولا الإعلان بالأملاك فكل ذي نعمة محسود كما في الحديث ولا المنّ بالأعمال الصالحة، يعلن العمل الصالح عند من سيقتدي أو يتفوق لتنفعه ولتكسب أجره يتحدث بنعمة الله من بالاعتراف بفضل الله فيها توفيقا إليها وعونا عليها وبصرفها فيما يرضي واهبها، التحدث بالنعمة يكون في الكف عن التسخط والتذمر والتشكي ويكون بإظهار الرضا بالقضاء والقدر في أصعب الأحوال وبإظهار الشكر على ما منّ به والحمد والشكر على حدوث الابتلاء حين نزول مصيبة في أي شان من الشؤون.
حدثني صاحب لي عن أبيه حينما سألته عن صحته فقال كف بصره وشلت حركته ولم يبق معه إلا جزء من عقله ولسانه، لا يملك لنفسه شيئا، في فراشه يأتيه طعامه وشرابه وترفع عنه فضلاته بغير إرادة منه ولا اختيار في ذلك كله، يقلّب في فراشه يمنة ويسرة خشية التقرحات تصيبه، ثم إذا سئل عن حاله حمد الله واثنى عليه وقال أنا في نعمة ما فيها أحد ليس مثلي أحد! بالتأكيد به أوجاع ولكن لا نسمع له شكوى، فأيقنتُ ثقة بالله ان الله تعالى قد مدّ في عمره وابتلاه بما ابتلاه به لرفعة درجاته فمن ابتلي هكذا ووفق للذكر والحمد هكذا وجُعِل قدوة لغيره في الذكر والحمد فهو في خير ويراد به الخير.
أحيانا يقول البعض إن رأى من هذه حاله : ألا ليت الله رحمه فأخذ أمانته وما علم أن رحمة الله حالّة بذلك المبتلى محيطة به وأن الله ارحم به ممن هم حوله ولكن لا نشعر بذلك فما هو فيه فإنه رحمة له وغنيمة له وسبب لرفعته في الدنيا وفي الآخرة ولكن كثير من الناس لا يعلمون.
ما يصيب العبد من مصيبة فهي على نوعين إما تكفيرا لسيئات وقعت منه أو رفعة لدرجاته وليحصّل وصف الصبر الذي أثنى الله على أهله ومن هذا النوع ما نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم من مرض حتى إنه ليوعك كما يوعك الرجلان فصبر على المرض لم يشتك ولم يتذمر ولم يتخذ ذلك حجة للتسخط والتوقف عن الحمد والشكر، وصبر على الطاعة فلم يستسلم للنوم والراحة حتى نال أعلى المقامات عند ربه ففاز بالوسيلة أعلى درجات الفردوس من الجنة .

حينما يلهج لسان المسلم في أصعب حالاته بحمد الله والثناء عليه فاعلم أنما نزل به هو ابتلاء وأنه غنيمة وهبت له { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } حينما يحرم المسلم من نعمة كانت بين يديه فإن الله سيعوضه خيرا مما فقد إن صبر وشكر ولم يتسخط ويتذمر. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا.} مسلمهذا في أكلة وشربة وما بالك بالزيادة إن رضي الله عن عبده وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ, وفي رواية قَالَ : إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ.} الترمذي وابن ماجة. تأمل المتذمرين ليس لهم من تذمرهم إلا التذمر ولا يجنون إلا الهمّ وتوابعه وتأمل الحامدين الشاكرين تجدهم قد عوضوا بخير وتجدهم قد وفقوا لتوظيف ما هم فيه من نصب لمصلحة تعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم تأمل المتذمر من زحمة الطرق في بعض المدن تجده في قلق وتأفف وهمّ حتى يصل وقد تلفت أعصابه وساءت نفسه فكرِهَ أهله لقاءه بينما الآخر تجده يستمع للذّكر أو يذكر الله يستفيد من ذلك الزحام بعلم يكسبه، فيصل وهو في أحسن أحواله يفرح بأهله إذا وصلهم ويفرحون به فهو في نعيم في كل أحواله والأمثلة كثرة عديدة لمن تأملها جعلنا الله من أهل الرضا والحمد والشكر ووفقنا لما يحب ويرضى وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل